الصفحة 6 من 18

التوحيد, فإن التوحيد من جهة الأصل يلزم أن يتحقق في الإنسان لازمًا, وأما تعديه إلى غيره فإن ذلك ليس بلازم, ولما استثني من هذا الأصل العام المتأكد وجُعل متقدمًا في أصل الشريعة من جهة البلاغ والدعوة دل على عظيم أمره.

والأصل أن الأمور المتعدية من العبادات المقترنة بشيء من الآداب والأخلاق والمكارم إذا كانت متعدية فالأصل في حقها الابتداء من جهة البلاغ والدعوة, وأن ما كان لازمًا الأصل فيه التأخير, فلما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان لازمًا في الإنسان لا يتعدى إلى غيره من جهة الإيجاب واللزوم إلا ما يدخل في ضمن أبواب الدعوة وبلاغها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) ، فهذا تستوي فيه سائر الأحكام، فلما استثنى الشارع من الأمور اللازمة أمر التوحيد، واستثنى الشارع كذلك من الأمور المتعدية التي حقها التأخير من جهة البلاغ وقرنه بالتوحيد كصلة الأرحام دل على تأكيدها وقوتها من هذا الباب.

والشارع قد حرص على جملة من الأحكام في ابتداء الدعوة كما كان يهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحذير من جملة من المحرمات منها الإشراك مع الله جل وعلا, وكذلك قطيعة الأرحام, وكذلك الوقوع في الفواحش, وهو أصل المحرمات, التي تعلم من جهة العقل والحس بالضرورة, ولا تحتاج لإنكارها إلى نظر إلا من مسخ الفطرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، فإذا علم هذا علم أن تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر صلة الأرحام على غيره من الأمور المتعدية دليل على عظم منزلتها في الإسلام ولها علاقة بقوة الإسلام وتمامه, مع كون الإنسان إذا كان من أهل الإسلام فهذا الوازع وهذا الوصف آكد من غيره من أي صلة أخرى.

... شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم من ذوي أرحامه

ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل ذوي أرحامه من الكفرة ممن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يتبع قوله من أعمامه وغيرهم، ويدل كذلك على تأكيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشفع لأحد ممن كان من أهل الإحسان في سابقة أمره ممن كان من أهل الكفر إلا من له صلة به في رحمه؛ كعمه أبي طالب , فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم شفع له، فكان في النار على نعلين يغلي منهما دماغه كما جاء في الصحيح, وما يقترن بذلك مما له نوع من استحباب الصلة وتأكيدها من أبواب الرضاعة كما في مسألة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي لهب؛ وذلك أنه قد أعتق مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكان في النار يسقى بقدر هذه، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما كان في أسفل إبهامه, يعني: يسقى بقدرها في نار جهنم، وما عدا ذلك فإنه لا شفاعة لأحد من أهل الكفر والعناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت