جاء من التشريع لصلة الأرحام, وكذلك ما جاء من اجتماع الناس في الجمعة والأعياد وغير ذلك، وقد حث على هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سفر الرجل وحده، ونهيه عن مبيته وحده، وإنما يبيت إذا كان معه غيره؛ وهذا لكي يكون الإنسان أقرب إلى الجماعة وأبعد من الشيطان.
وإنما حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلة الأرحام وأمر بالدنو منها حتى يكون الإنسان له ركن يأوي إليه، وهذا فيما يتعلق بمصالح الدين ومصالح الدنيا, وقد جاءت الشريعة بجمع الشمل ولمه, وكذلك جمع المصالح وتتميمها ودرء المفاسد وتنقيصها, وهذا أصل متقرر في الإسلام لا خلاف فيه.
حث الشارع على صلة الأرحام وبين فضلها, وبين جل وعلا خطر القاطع لرحمه؛ وذلك تحقيقًا لهذا الأصل العظيم, ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .
وفي قوله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1] ، قال غير واحد من المفسرين: اتقوا الله بصلتكم لأرحامكم, وقال غير واحد: اتقوا الأرحام فصلوها؛ كما جاء تفسير ذلك عن غير واحد من السلف كما رواه ابن جرير الطبري وغيره عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه قال في قول الله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1] ، قال: اتقوا الأرحام وصلوها، وجاء عن مجاهد بن جبر وغيره أن المراد بذلك اتقوا الله جل وعلا بأرحامكم وأدوا الواجب إليها, وروي هذا المعنى عن غير واحد من المفسرين كالحسن البصري و قتادة وغيرهم من أئمة الإسلام.
... خطورة حال من قطع الرحم
وقد بين الله جل وعلا خطورة حال من قطع الرحم, وكذلك مقامه أنه مقترن بمن نقض الميثاق وعهد الله جل وعلا، الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [البقرة:27] ، والمراد بما أمر الله جل وعلا به أن يوصل هو صلة الأرحام, وإذا لم يصلها الإنسان كان قاطعًا.