عن غيرهم- أنه إذا طلب من الابن مالًا أو طلب منه حظًا لازمًا له من غير حاجة أنه يجب عليه أن يجيب عليه؛ كأن يطلب الأب من ابنه مالًا، ويعلم أن هذا من أمور الزيادة، فإنه يجب عليه أن يعطيه ما لم يصل إلى درجة السرف, فإن مسألة السرف هذه من الأمور المنهي عنها، فإن الضرورة تقدر بقدرها, ويحجم الإنسان عن ذلك بحسب المفسدة الواردة على أعطياته في مثل هذا. وكذلك إذا أمراه بالإتيان بالإقدام أو الذهاب فإنه يجب عليه أن يقدم؛ كأن يكون في بلد من البلدان بعيدًا عن أبويه، ثم يأمراه بالقدوم إلى بلد الأبوين فإنه يجب عليه أن يقدم إلى ذلك البلد، وأن يسكن في بلدهم إلا إذا كان ثمة مصلحة راجحة متيقنة وليست ظنية، فإن صحت هذه المصلحة فإنه يقدم مع الإحسان إليهما وعدم التأفف والتأذي منهما أو من قولهما أو من طلبهما أو رأيهما, فإن الإحسان إليهما مع التأفف عقوق وليس بإحسان، وكذلك عدم الإجابة لقولهم عند المصلحة الراجحة مع عدم الأذية لهما نوع من أنواع البر والبذل.
ومن المسائل المهمة المتعلقة بالوالدين أن الإنسان ينفق على الوالدين نفقة واجبة عند الحاجة، ولا يجوز له أن يعطيهما من الزكاة, يعني: أن الإنسان إذا كان لديه زكاة مال لا يجوز أن يعطي الوالدين من زكاته, بل هي نفقة واجبة كما ينفق على أبنائه؛ وذلك أن أبويه أوجب من جهة الحق.
وأما غير الوالدين كالإخوة فهل إعطاؤهم عند الحاجة يكون من الزكاة أم من الإحسان والبر؟
هذا من مواضع الخلاف عند العلماء، وقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز إعطاء الإخوة والأخوات من الزكاة، وأن الإنسان إن أعطاهم من ماله إحسانًا وبذلًا وصلة أن هذا هو مرتبة الكمال, وإن أعطاهم من الزكاة بتسديد ديونهم وسد حاجتهم من مطعم ومشرب وملبس وغير ذلك فإن هذا من الأمور المستحبة، وإن كان من الزكاة كذلك فإن هذا جائز.
وذهب بعض العلماء إلى أن إعطاء الإخوة لا يجوز من الزكاة، وإنما يجب عليه أن ينفق, وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء من الحنابلة وغيرهم، وأولى ما تكون النفقة أو الصدقة والصلة أن تكون على ذوي الأرحام أولى من الأبعدين؛ فإذا وجد صاحب رحم محتاجًا واشترك معه في الحاجة واحد من الأبعدين فالنفقة على ذي الأرحام أولى، وإن كان الأبعد أحوج ما لم يكن ذلك يفضي إلى هلاك بدنه أو فساد عقله من إزهاق نفسه، فإن ذلك مرتبة أخرى ترتبط بإحياء النفس؛ وذلك أن الشارع قد بين أن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا, وإحياء الناس جميعًا يدخل فيه الأرحام, فدل على أن إحياء النفس البعيدة أولى من إعطاء وسد حاجة ذي الرحم القريب، وقد دل الدليل في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن الصدقة والنفقة على ذوي القربى أنها صدقة وصلة) ، فاجتمع فيها الأمران, ومن ذلك ما جاء في صحيح الإمام مسلم من