الصفحة 16 من 18

.الابتعاد عن حظوظ الدنيا المشتركة مع ذوي الأرحام

كذلك من الأسباب التي تعين على صلة الرحم وعدم القطيعة الابتعاد عن حظوظ الدنيا المشتركة مع ذوي الأرحام من الشراكة في المال قدر الإمكان والشراكة في شيء من حظوظ الدنيا, فإن هذا مجلبة للخصومة, فليبتعد الإنسان وليحسن إلى غيره بالإنفاق بالمال, وأن يكتفي بنفسه وإن قل نصيبه حتى لا يكون ثمة قطيعة رحم, خاصة في الأزمنة التي يغلب عليها الماديات كما في زمننا هذا, حيث غلبت الماديات على كثير من الناس, فأصبح كثير من الناس يقطع الأرحام بسبب المال والإجحاف فيه, وربما تخاصم الإخوة أو تخاصم الابن مع أبيه وتقاضيا في المحاكم لأجل شراكة مالية أو حظ من حظوظ المال أو قسمة من لعاعة الدنيا ونحو ذلك، فوقعت القطيعة وقطعت الأرحام، ووقع في كبيرة من كبائر الذنوب بسبب ذلك.

وهل يقال: إن الإنسان يدع حقه في مثل هذا؛ والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بألا يؤذي الإنسان نفسه وهو أن يتحمل من البلاء ما لا يطيق؟ وهل يجوز للإنسان أن يتخاصم في حقه مع ذوي الأرحام عند سلطان ونحو ذلك؟

نقول: إن الإنسان لا يجوز له بحال أن يتخاصم مع أبويه في المال على الإطلاق؛ وذلك أن الشارع قد بين أنه لا يقاد الوالد بولده, يعني: أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به، وإنما يعزر بذلك سواء بالسجن أو الغرامة المالية إن رئيت المصلحة في ذلك ونحو ذلك, أما أن يقاد فلا يقاد في ذلك، فإذا كانت النفس أزهقت وهي أولى صونًا وتبذل أموال لحفظها فإنه لا يجوز للإنسان أن يقاضي أبويه بسبب المال, وهذا هو المترجح.

أما إذا كان دون ذلك من المخاصمة مع بقية الأرحام؛ مخاصمة الأخ لأخيه أو الأخت لأخيها أو مخاصمة الأب لابنه ونحو ذلك فإنه إذا كان الحق متمحضًا وواضحًا, يعني: أن المال قد أخذه خلسة منه وغصبًا، وليس من الأمور المتنازعة، وليس من الشبهات، فإنه يجوز للإنسان أن يخاصم عليه بلين ورفق من غير تعدٍ وبغي وظلم وعدوان, أي: لا يتعدى ذلك إلى بقية أسباب الوصال لصلة الرحم ونحو ذلك، فكثير من الناس حينما تدخل المادة فيما بينهم تكون القطيعة من جهة الأقارب الذين يدنون قربًا مع أحد الخصوم موالاة له, فتجد الابن لا يصل عمه لخصومة أبيه لأخيه, وتجد ابن العم لا يصل عمه لخصومة أبيه وهكذا, وذلك أن الإنسان إذا عدل مع نفسه في أبواب الخصومة وأنصف في ذلك كان من أهل الإنصاف.

وأما إذا كانت الشبهة في ذلك قائمة، ولم يكن من الحقوق البينة، فإنه لا يجوز للإنسان أن يتخاصم مع ذي رحم، لأن صلة الرحم وعقدها أوثق وآكد, فإذا غلب على ظن الإنسان أنه بخصومته تلك تقطع الأرحام ولا توصل فيحرم عليه المخاصمة على شيء من أمور المال, وأما إذا غلب على ظنه -وهذا ما يستثني منه الأبوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت