الصفحة 8 من 18

أصاب الإنسان، وإنما ينظر إلى محله, فإذا كان محل ذلك الأذى الذي نزل بالإنسان في حال عجز تام فإنه أعظم إثمًا عند الله جل وعلا.

وأعظم مراتب القتل أن يقتل الإنسان صبيًا أو غلامًا لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولهذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك, قيل: ثم أي؟ قال: إن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) ، وإذا علم هذا من جهة بذل الإحسان كذلك في إنزال الضراء, فإن الإنسان إذا بذل إحسانًا وكان محله في حال عجز تام فإن الوفاء في حقه أعظم, وكذلك الأثر فيه أشد.

وكذلك الأذية إذا استحكمت في الإنسان، وكان ممن يعجز عن صدها من قوي، فإن هذا الأذى إذا حل في الإنسان أعظم إثمًا عند الله جل وعلا ممن يلحق الأذى بشخص يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه, فإن قتل الناس ليس على السواء، والإنسان إذا قتل صبيًا في مهده ووأده فهو أعظم إثمًا ممن قتل رجلًا يستطيع أن يدفع وينكأ العداوة عنه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل الصبي الصغير في مرتبة بعد الإشراك مع الله جل وعلا غيره.

ومعلوم أن القتل من جهة الأصل هو داخل في كبائر الذنوب, ولهذا فإن الإنسان إذا بُذل إليه إحسان في حال ضعف وعجز تام فإن الوفاء والذمة في حقه من جهة إعادة الإحسان لمن بذله أولى، فإن الإنسان إذا كان في مهده يحتاج إلى رضاع فأرضع من أم، فالوفاء من جهة الإحسان أعظم ممن أغدق عليه من جهة المال في حال قدرته على التكسب.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم شفع لأبي لهب وهو في النار, وقد أنزل الله جل وعلا فيه سورة تتلى إلى قيام الساعة؛ وذلك لأنه قد أعتق مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية, ومعلوم أنه أعتقها ولم يعلم أنها سترضع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يعلم أن حال النبي صلى الله عليه وسلم سيؤول إلى ما آل إليه من عداوته لما يعبده أبو لهب , ومع ذلك تحقق فيه نوع من الشفاعة في النار كما رواه البخاري وغيره: (أن أبا لهب يكون في النار، ويرضع فيها بقدر هذه) .

ولما علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشفع إلا لذي رحم وهو عمه أبو طالب ولأبي لهب بسبب الرضاع دل على اقتران الرضاع بنوع من الإكرام مع الرحم.

ولما كان كذلك فلا بد من تأصيل أمر، وهو أن مسألة الرضاع لا تدخل في أبواب الرحم؛ لأنها من جهة الوصل لا تتأتى، فليس هو برحم، وأما من جهة الإكرام والوفاء بالعهد فإنه من أولى ما ينبغي للإنسان أن يفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت