الصفحة 17 من 20

لماذا كان الدائم أفضل؟ نرجع إلى الشجرة، إذا أتيت شجرة ثم أفرغت عليها خزان ماء ليوم واحد ثم مضيت وتركتها، أيها أنفع: وأنت تقطر عليها على مدى سنوات، أيها أنفع؟ تقطر عليها على مدى سنوات؛ لأن الشيء القليل من الخير أفضل من الكثير المنقطع؛ لهذا من تلبيس إبليس على إقبال الإنسان إلى الحق أن يجد الإنسان من يسمع موعظة ويقرب قلبه إلى الله سبحانه وتعالى، أو يكون من البعيدين عن الحق ثم يقبل إقبالًا كاملًا، من المداخل على بعض المقبلين إلى الحق: أن الشيطان لا يستطيع أن يكبح جماح الإنسان؛ لأنه ليس ربًا حتى يقيد النفوس ويقيد القلوب، لكن لديه محاولات وسياسية يجرف، كحال السيل حينما يأتيه يقوم بحرفه يمينًا أو يسارًا، أو بالتقليل منه أو شيء من هذا. إذا رأى الشيطان إقبال الإنسان على الحق فأراد -مثلًا- أن يقوم الليل أو يؤدي جميع الواجبات، ورأى إقبالًا منه شديدًا، أحيانًا من سياسية إبليس يفتح له المجال ويدعه، لماذا؟ يريد أن يفرغ كل شيء مرة واحدة؛ ولهذا أكثر الناس المقبلين على الحق إقبالًا واحدًا ينقطعون؛ لأنه يعلم أنه إذا صلى اليوم الليل كاملًا -وهو قد كان على غير قيام من قبل- فإنه في اليوم الثاني سينقطع، لكن لو أخذه إبليس على سبيل التدرج فإن هذا يعني إعانته على الاستدامة. ولهذا نقول: إن دوام العمل الصالح من الأمور المهمة والمطلب الشرعي؛ ولهذا جاء في الشريعة مسألة التدرج في العمل الصالح، في جانب التربية، وفي جانب التعليم وغير ذلك؛ حتى لا ينقطع الإنسان؛ لأن الإنسان بطبعه إذا أخذ الأمر كله من أول مرة من غير تدرج فتر عنه بعد ذلك، وقد جعل الله عز وجل ذلك شيئًا كونيًا حتى في تكوين الناس أنهم يخلقون أطوارًا، كذلك ينبغي أن يكون العلم أطوارًا حتى يثبتوا على مثل هذا العمل، فالله عز وجل ما خلق شيئًا مرةً واحدة وإنما جعل ذلك على سبيل التدرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت