يوسف عليه السلام من أنبياء الله عز وجل وله عزم وصبر في ذلك، ماذا قال الله عز وجل عنه حينما وجدته السيارة وأخرجوه من البئر، قال: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف:20] ، لماذا؟ لأنهم جهلوا حقيقته ما يعلمون أن الذي بين أيديهم نبي. إذا جهل الإنسان ما بين يديه فإنه يتم تداوله بين الناس على أنه ليس بذي قيمة، وجهل الناس به لا يسقطه من حقيقته وقيمته التي جعلها الله عز وجل فيها؛ لهذا أعظم فتنة أو غبن يقع في الناس الجهل بحقائق الأشياء التي تكون بين أيديهم ولا يستثمرونها؛ لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة, والفراغ) ، وبينهما معادلة: الفراغ لا يمكن أن تستعمله إلا مع وجود صحة، وذلك يستعمله الإنسان حينئذ بتمامه وكماله قولًا وعملًا واعتقادًا، وإذا لم يكن في الإنسان صحة فإنه يضعف عن عمله، ولا يستطيع أن يفكر ويتأمل؛ ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) ، يعني: لا يقيمون هذين الشيئين حق قيمتهما التي وضعها الله عز وجل لهما: الصحة والفراغ، يعطى صحة اليوم ثم يهدرها في غير نفع لا في دين ولا في دنيا. والزمن مغبون فيه كثير من الناس؛ لأنه عجلة تمضي ولا تعود، فاستدراك ذلك محال، ويخادع الإنسان نفسه أنه كلما مضى من عمره أيام أو شهور أو أعوام أنه يكبر, وفي الحقيقة أنه ينقص؛ لأنه يأخذ من عمره, ولا يزيد عمره بذلك؛ لأنه عمره المتبقي, وما مضى قد انقضى، فالإنسان المتبقي له هو عمره الحقيقي, وهو الذي يأخذ منه ويظن أنه كبر وأصبحت له قيمة، والحقيقة أن قيمته في الحياة بدأت تضعف، وهو يقرب من أجله ولا يبتعد عنه.