متى يظهر هذا؟ إذا انغمس الإنسان بشيء من أمر الدنيا والهوى يندفن الحق تحت ركام الهوى؛ ولهذا يزيله الله عز وجل بظهور الحق والخوف والرهبة، فحينئذ يزول الهوى وتظهر الحقيقة، ففرعون بين قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] ، وقوله: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90] ، ربما بضع دقائق؛ لأنه كان قبل دخوله البحر يريد قتل موسى، إذًا: هو مستمر على قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] ، الإنسان إذا ضرب عليه البحر فإن غرقه ربما في زمن يسير؛ لأنه ليس على مركب. ففرعون حينما أدركه الغرق خرجت منه الحقيقة المدفونة فقال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90] ، من الذي جعل الإنسان يحاول أن يستثمر آخر لحظاته في زمنه بالإيمان بالله سبحانه وتعالى؟ إن ذلك الغبن الحقيقي أو ذلك الهوى الذي يكون في نفس الإنسان قد يزول بشيء من الابتلاء؛ لهذا تجد بعض الناس معاندًا مستكبرًا بعيدًا عن الحق، مجرد ما يكون به مرض مخوف يتوجه إلى الله بالصلاة والصيام، كأن يكون به وباء أو سرطان أو شيء من الأمراض المعضلة, وقبل ذلك كان لاهيًا منصرفًا عن الحق, تمر به عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو ستون سنة، فإذا أصيب بمثل هذه الأدواء العظيمة توجه إلى الله، فما الذي جعله يستيقظ في مثل هذا؟ هذه الحقيقة المدفونة في ذات الإنسان، هل اكتسبها بعد مرضه، أم خرجت من داخله؟ خرجت من داخله، من الذي دفنها؟ دفنها الهوى، ولكن الله عز وجل رفعها بالبلاء، كحال الإنسان يضرب الشيء بسياطه ثم يزول عنه الغبار وتظهر الحقيقة، الإنسان حينما يأتي إلى بساط قد اغبر لشهور ولسنوات ثم قام بضرب العصا عليه، ألا يظهر؟ تظهر حقيقته، كذلك في جانب الابتلاء، يبعث الله سبحانه وتعالى به ما دفنه الهوى حتى يظهر حينئذ الحق.