إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لأصحابه أحكام الدين جملةَ وتفصيلًا، فبين ما يحتاجه الناس بيانًا فكان الكلام من الله جل وعلا وكذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم محكمًا بينًا، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] ، فبين الله سبحانه وتعالى أن الأصل في الدين الوضوح والبيان، وهذا ظاهر أيضًا كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث النعمان بن بشير: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين) ، وهذا أيضًا ظاهر في قول الله جل وعلا: كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23] ، قد جاء عن عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر وغيرهم أنهم قالوا: يشبه بعضه بعضًا يصدق بعضه بعضًا ويؤكد بعضه بعضًا، ولا يكذب بعضه بعضًا. وهذا يجعل الإنسان إذا أراد معرفة الحق فإنه يعرف بمعرفة الحق بذاته الباطل، فمن عرف الحق بالإجمال عرف الباطل بالإجمال، ومن عرف الحق بالتفصيل عرف الباطل بالتفصيل، ولهذا ينبغي للإنسان أن يقارن بين مراتب المعلومات قدر وسعه وإمكانه، وألا يوغل في جزئيات تذهب به هذه الجزئيات يمنةً ويسرةً، فيظن أنه قد أدرك من علوم الشريعة أو أدرك من مسائل الدين ما يركن إليه قلبه، أنه قد فعل شيئًا تطمئن إليه النفس، وقد ترك ما هو أولى من ذلك لذاته وكذلك لغيره.