والنبي صلى الله عليه وسلم دفع أمر إراقة الدماء قدر وسعه ما تحقق للإسلام والإيمان الرفعة، وإذا لم يتحقق للإيمان والإسلام الرفعة إلا بإراقة الدماء فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في إراقة دم الكافر والتسبب في إراقة دم المؤمن، ولهذا الإنسان لا يجوز له أن يريق أو يتسبب في إراقة دمه إلا في حال الجهاد، وحال الجهاد لا يقال: إن الإنسان يباح له ذلك، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أعظم الأمور قربة عند الله، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح وغيره، أنه قيل: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيله) ، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا أن المجاهد يغفر له كل خطيئة اقترفتها يمينه من أول قطرة من دمه إلا الدين. والمراد من هذا: أن الله جل وعلا قد بين غفران الخطايا للإنسان من أول إراقة الدم، وهذا لا يتحقق لأحد إلا من حقق التوحيد كاملًا، والشهيد في سبيل الله، وفي هذا إشارة إلى تعظيم أمر التوحيد وبيان ميزانه، ثم يأتي بعد ذلك الفتن في أمور الدين بحسب مراتب الإسلام وجوبًا.
وإذا أراد الإنسان أن يعرف مواضع الفتنة تعظيمًا فليعرف مقدارها شرعًا، فليعرف مقدار ما تنقص وما تهون شرعًا، فإن الفتنة في أمر الدين منها ما يصد عن أمر الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، فإذا وجد من يهون من أمر الصلاة وكذلك ركنيتها وكذلك أوقاتها ونحو ذلك، فهذه تلي التوحيد فتنة، والعالم في ذلك من عرف مراتب ودرجات الأحكام الشرعية، والجاهل في ذلك الذي يجهل تلك المراتب، وأعلم الناس هو من عرف مراتب الخير وعرف دركات الشر، وأعلم الناس أيضًا من عرف درجات الخير وما يقابلها في حال التزاحم، ومعلوم أن أبواب الخير على درجات ومراتب والدعوة إليها وتحقيقها يكون بحسب أهميتها ومرتبتها في الدين.