ومعلوم أن من أعظم تلبيس إبليس على كثير من الناس، وكذلك أيضًا من العباد والصالحين والعلماء: أن يشغلهم بالمفضول عن الفاضل عند المزاحمة، أو قوة همة الإنسان بما لا يستطيع معه الشيطان أن يدفع تلك الهمة فيصرفها عن أمر فاضل إلى أمر مفضول، فيسرح الإنسان ويمرح في هذا الأمر المفضول، فحينئذ ينقص من الدين الظاهر بحسب انصراف الإنسان عنه، ولهذا كثير من الناس يسلون أنفسهم ببعض أنواع العبادة، وكذلك بعض أنواع الدعوة، ويظنون أنهم بذلك قد سلكوا طريق الهداية التامة، وإن كانوا قد تركوا ما هو أولى وأعظم من ذلك، فإن هذا نوع من التقصير والخلل، بل هو من الفتنة التي يفتن فيها الإنسان. ومعلوم أن من ترك التوحيد وتقريره وانصرف إلى معرفة فضائل الإسلام والإيمان، وكذلك الأخلاق ومكارمها والآداب والسلوك التي دل عليها الإسلام، فأخذ يورد من الآيات والأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشبع معها نهم النفس المنصرفة إلى إرضاء الله، أو شعور الإنسان بشيء من التدين والتعبد لله، فينصرف إلى المفضول مع ترك الفاضل، فتقع حينئذ الفتنة فيفتن الإنسان في ذاته، ويفتن أيضًا غيره بانصراف الإنسان القدوة إلى الأمور المفضولة وترك الأمور الفاضلة.