والمراد: بهذا أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يهتمون بحسب الفتن التي يعيشونها، وأن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في زمنه كان الناس في حال تقشف ولم يكونوا على أمر الانفتاح من جهة المال، مع إدراكه عليه رضوان الله تعالى أن الفتنة في أمر المال هي المجلبة لفتنة الرأي وفتنة القول، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: إذا وجد الماء وجد المال وإذا وجد المال وجدت الفتنة وهذا أمر معلوم، فإن الله عز وجل إذا بسط الرزق لعباده بغوا في الأرض، وقد روى ابن جرير الطبري أيضًا في كتابه التفسير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال عند هذه الآية، قال: كانت العرب إذا كانوا في عام سنة انشغلوا بأنفسهم، وإذا كانوا في عام بسطة رزق اقتتلوا وقتل بعضهم بعضًا، وهذا أمر معلوم.
ومسألة المقاتلة قد لا تكون في مسألة رفع السلاح بالرماح, وكذلك السيوف وإراقة الدماء، وإنما قد يكون ذلك ببذل أو إطلاق اللسان بالوقيعة بالأعراض أو إطلاق آراء الكفر وغير ذلك، ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سباب المؤمن كقتله، وهذا أمر معلوم، فإن الإنسان إذا أطلق لسانه في عرض غيره فإن هذا مما يشابه استباحة دم الإنسان، ومعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يقدم على إراقة دم غيره إلا وقد تسبب قبل ذلك أحد من الأطراف باستباحة عرضه، ومعلوم أن القتل لا يأتي إلا عن طريق اللسان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن من حديث معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قال معاذ: (أنحن مؤاخذون بما نقول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) ، يعني: أن حصائد الألسنة هي التي تكب الإنسان في النار، وتتسبب بالفتنة، ولهذا لا يمكن أن تقع الفتنة من أعلاها وأدناها إلا بسبب إطلاق العبارة.