النوع الثاني من أمور الفتن: ما يتعلق بأمور الديانة في ذاتها وهي الفتن الكبيرة، وهي على مراتب: أعظمها فتنة الإنسان في عقيدته، وفتنة الإنسان في عقيدته هي أعظم ما يصاب به الإنسان، لهذا سماها الله جل وعلا: الفتنة في كتابه العظيم، قال الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، والمراد بالفتنة هنا: هي الكفر، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال في الفتنة هنا: ارتداد الإنسان عن دينه أكبر من القتل، وجاء أيضًا عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضًا من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهذا محل اتفاق عند العلماء من المفسرين من السلف: أن المراد بالفتنة هنا الكفر والخروج من الملة، وهي أعظم من القتل.
وهذا يدلنا على مسألة مهمة: وهي معرفة المراتب في أمور الدين، معرفة المراتب في أمور الدين مردها إلى الشريعة، بعض الناس يستعظم القتل وإراقة الدماء، وهذا يجعله كبيرًا وهو عند الله كبير، ولكن في أمور الموازنة يكون الكبير صغيرًا في أمور المقابلة، والقتل بالنسبة لأمر التوحيد وثلمه يعتبر صغيرًا، ولهذا جعل الله جل وعلا الفتنة أكبر، ولم يهون الله جل وعلا القتل فيسميه: صغيرًا، وإنما جعل الشرك أكبر منه، فبقي القتل على تعظيمه وجعل الشرك أعظم منه.