ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار من أصحابه حذيفة بن اليمان، فكان أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما اختار علية الصحابة في أمور الإيمان، كأبي بكر و عمر وهم من العلية، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام اختار حذيفة مع وجود أبي بكر و عمر؟ وذلك لكون حذيفة بن اليمان قد جبل على شيء من الأمور الفطرية التي يجبل عليها الناس، وهي من أمور الكتمان، وثمة علة أخرى أيضًا: أن أبا بكر و عمر بن الخطاب ربما جهلهم بأخبار الناس أولى من علمهم من وجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم سيكونون خلفاء، وإدراكهم لبعض المواضع من أمور الفتن ربما يفت من عضد الإنسان، والإنسان في ذلك بشر، فإن أبا بكر مع كونه صديقًا وكذلك مع كونه خير الخلق بعد أنبياء الله جل وعلا، إنه يبقى من البشر وفيه ضعف البشر، وكذلك أيضًا عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فأراد لهم النبي صلى الله عليه وسلم باب الكمال في ذلك، فكتمه عن أولئك وبلغ به حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى، لهذا ينبغي للإنسان في أمور الفتن أن يحفظ لسانه ولو كان على أمر يقين. وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان أو كثيرًا من الناس الذين يطلقون ألسنتهم بأحاديث الناس وأخبارهم على سبيل التوقع من غير بيان، أن ذلك من الفتنة التي تصرف الإنسان عن معرفة الحق، وكذلك تشغل بال الإنسان وتشغل أحوال الناس، وكذلك افتتانهم في أمر دينهم، وما كان يقدره الله جل وعلا فهو الحق، فحذيفة بن اليمان لديه من علم الله بواسطة رسول الله الأمر الحق البين، ومع ذلك ما بلغ به عليه رضوان الله تعالى كما يتساهل كثير من الناس بالإخبار ونقل الأقوال والقالات، فإن هذا من الأمور التي ليست بمحمودة.