الصفحة 5 من 31

ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضًا في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرمًا كبيرًا لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب. ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئًا فشيئًا إذا كان في طريق قد اتجه شمالًا أو اتجه جنوبًا، فإذا انحرف به الطريق شيئًا فشيئًا فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئًا من الفتن شعرةً أو عودًا عودًا، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب عودًا عودًا) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عودًا عودًا) ، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حسًا، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئًا وهذا أمر معلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت