لهذا نقول: إن حقيقة الميزان في معرفة الطريق الحق, وكذلك وزن العقبات ومعرفة الفتن يرجع في ذلك إلى قوة الإنسان من جهة استيعابه لمعاني ما أراده الله جل وعلا في كتابه العظيم، وما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الناس من تكون الفتن الصغيرة لديه مجلبة إلى الانحراف والبعد عن المنهج الحق، ومن الناس من تكون الفتن العظيمة كبيرة القدر بالنسبة له هي كحال الصغائر عند غيره؛ لقوة ثباته، ومن نظر إلى أهل العلم والدراية في هذا -كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط الثبات بوجود أولئك لقربهم زمنًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لمعرفتهم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه، وهذا كما جاء في الصحيح في حديث أبي بردة عن أبي موسى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد) ، والمراد بذلك هو ما تعلق بالصحابة عليهم رضوان الله تعالى من يقين وثبات ومعرفة بهدي محمد صلى الله عليه وسلم. والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ، كأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي يعرف قدر النبوة والخلافة بعده وهذا أمر معلوم، مع ذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا بعد كثير ممن يسمع منه هذا الخطاب، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بأولئك الخلفاء الراشدين الذين أخذوا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.