يقول بصحة حج الصبي، كما نقل الإجماع على ذلك الطحاوي عليه رحمة الله تعالى -وهو حنفي- في كتابه شرح معاني الآثار، فقال: أجمع العلماء على صحة حج الصبي. وهو من أئمة الحنفية، ومن أعلم الناس بأقوال أبي حنيفة عليه رحمة الله، ولعل ما نقله ابن بطة عليه رحمة الله تعالى من الوهم، أو أراد من كان صِغره شديدًا كمن كان في مهده ونحو ذلك، فإن هذا أيضًا فيه نظر لمعارضته لصريح الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمجنون قد ذهب الإمام أحمد في رواية - وهو الصواب - إلى أن حجه صحيح، ويكتب له الأجر؛ قياسًا على الصبي، وإنما جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبي؛ لأن ورود الجنون على الناس نادر جدًا، وأما الصبي والصغير فيكثر فلا تخلو دار من صبي صغير؛ ولهذا ورد السؤال عن الصبي ولم يرد السؤال عن المجنون؛ لقلة وروده، والقياس هنا معتبر، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بأخذه خاصة فيما يتعلق الأجور وسعة رحمة الله سبحانه وتعالى؛ ولذا قال الله جل وعلا: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] .
ويجب على الصبي إن حج، والمجنون إذا عقل، والأعرابي إذا هاجر أن يحج حجة أخرى بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام أحمد و البيهقي و الدارقطني وغيرهم من حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى) وهذا الخبر -وإن لم يصح مرفوعًا- فله حكم الرفع، وهذا قد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في صحته مرفوعًا وموقوفًا، وإن كان عامة النقاد على أنه لا يصح مرفوعًا، والصواب فيه الوقف وهو الصواب، نص على ذلك غير واحد من الأئمة كابن المنذر والإمام أحمد و الدارقطني وغيرهم، ومال بعضهم إلى صحته مرفوعًا، وهو ظاهر كلام الإمام الحاكم عليه رحمة الله تعالى، وكذلك ابن خزيمة وغيره؛ وذلك أنه قد تفرد به محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة بن الحجاج عن سليمان الأعمش عن أبي ربيعة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، فقالوا: إنه قد تفرد به محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع كما قال ذلك الإمامالطبراني عليه رحمة الله تعالى حينما أخرجه في كتابه المعجم، وكذلك الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد حينما أخرجه، ونص على إعلاله مرفوعًا الدارقطني عليه رحمة الله تعالى في كتابه العلل، إلا أن له حكم الرفع، وذلك أنه قد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى من حديث أبي معاويةعن الأعمش عن أبي ربيعة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه قال: احفظوا عني ولا تقولوا: قال عبد الله بن عباس. ومراده بذلك أنه يرويه عمن فوقه ممن يحتج بقوله، ولا أحد فوقه ممن يحتج بقوله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا بلغ الصبي في أيام الحج في يوم عرفه أو قبلها فحجه صحيح عند جماهير أهل العلم، وهو قول إمام أهل