والصواب فيه ما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر أن أهل العراق جاؤوا إلى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا إذا أردنا الحج، وأردنا قرنًا جارت عن طريقنا، فوقت لنا، فقالعمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: انظروا حذوها، فوقت لهم ذات عرق. وفي اكتفاء الإمام البخاري عليه رحمة الله تعالى بالموقوف، وترك المرفوعات دليل على إنكارها، وأنه لا يثبت فيها شيء، كطريقة الإمام مسلم عليه رحمة الله تعالى حينما أعل ما جاء في الباب كله.
وهذا الذي قد نص عليه وجزم به الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى، فقال في كتابه الأم: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عبد الله بن طاوس عن طاوس بن كيسان أنه قال: لم يكن عراق يومئذ، إنما وقت الناس ذات عرق بعد ذلك. يقول الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى لما أخرج خبر طاوس قال: ولا أحسبه إلا كما قال طاوس. يعني العراق لم يكن ثمة موجودًا، ولم يوقته رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا يقال: كل موضع يحاذي الميقات، كأن يكون أهل بلد لا يستطيعون أن يأتوا إلى الميقات المحدد فإنه لا حرج عليهم أن يحرموا مما يحاذي ذلك الميقات، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد اغتفر ذلك لمن دونه، فجعل كل ما دون تلك المواقيت ميقاتًا لأهله، وهذا من باب التوسعة، وتوسعة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى دليل على ذلك، فلا يشدد في هذا، سواء ممن كان محاذيًا للميقات عن طريق الجو أو عن طريق البر، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات، ولا حرج عليه، فإذا كان فيه مشقة -وإن كانت يسيرة- فإنه يحرم ولا شيء عليه للتيسير في ذلك.
وإن أحرم الإنسان قبل الميقات من بلده، كأن يكون بطائرة أو في سيارة ولا يعلم هل يوقظونه أم لا؟ أو يخشى على نفسه النوم، أو يخشى أن الذي يخبر بالمحاذاة غير دقيق ونحو ذلك، فيريد أن يحرم من بلده احتياطًا فلا حرج عليه، ثبت عن عبد الله بن عمر أنه أحرم من بيت المقدس، جاء بإسناد صحيح عنه من حديث نافع عنعبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى أهل من بيت المقدس.
وجاء عن عمران بن حصين أنه أهل من مصر، وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى ذلك.
ومن أحرم من قبل الميقات فحجه وإحرامه صحيح باتفاق الأئمة، إلا قولًا لابن حزم عليه رحمة الله تعالى فإنه قال: حجه صحيح، لكن يجب أن يجدد الإحرام إذا حاذى أو دخل أو كان محاذيًا للميقات، والصواب أن حجه صحيح؛ لأنه قد زاد على ذلك، إلا أن الأولى والمتأكد أن يحرم الإنسان من الميقات، وإذا حاذاه.