وإن كان مدينًا بقناطير مقنطرة، ولا يملك لها وفاء، وملك مبلغًا يسيرًا فيؤديه لمن له الدين؛ فإن الديون لابد من قضائها يوم القيامة، وقضاؤها يكون بالحسنات كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قد جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشهيد يغفر له كل ذنب قد اقترفته يمينه إلا الدين) فلابد من قضائه يوم القيامة؛ وذلك لتعلقه بحقوق الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر وحث على قضاء الديون قبل وفاة الإنسان، أما استئذان صاحب الدين فلا أعلم أصلًا لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من أقوال السلف، ولا من أقوال الأئمة الأربعة، خلافًا لما يذكره بعض الفقهاء أنه ينبغي لمن كان عليه أن يستأذن من صاحب الدين، وهذا لا أصل له، إلا أن يكون المقصود بالاستئذان هو أن يتحلله، فالتحلل أمر آخر، فالاستئذان لا وجه له، فليس عبدًا عنده رقيقًا حتى يستأذنه، ولا أصل لذلك ولا دليل عليه.
من شروط وجوب الحج شرط خاص بالمرأة وهو: وجود المحرم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع محرم) ، وقد استثنى بعض العلماء أن تحج المرأة مع مجموعة من النساء، والقائم عليهن ثقة عدل صادق صالح مأمون، فإنه يستثنى من ذلك، وهذا هو الصواب، يستثنى من ذلك جواز ذهابها لا فرضية وجوبها، وإن كان قد ذهب بعض الفقهاء من الشافعية إلى فرض وجوب الحج عليه إذا كان ثمة من النساء، والقائم عليهن ثقة أنه يجب عليها الحج، والصواب أنه لا يجب عليها، لكنه يؤكد في حقها الحج، ويرتفع الوجوب لعدم وجود المحرم، نص على ذلك غير واحد من الأئمة كالإمام مالك، وكذلك الإمام أحمد و الشافعيوغيرهم، نص على ذلك الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في رواية، وذهب إلى هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب، وذهب إلى هذا أيضًا أمهات المؤمنين كعائشة، وهو قول عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و القاسم بن محمد وغيرهم أنه يجوز للمرأة أن تحج إذا كانت مع مجموعة من النساء، والقيم عليهن ثقة.
ولا يجوز للرجل أن يمنع امرأته من حج الفريضة إذا وجدت محرمًا كأخ أو أب ونحو ذلك، وهل يجب عليه أن يخرج مع زوجته أم لا؟ على خلاف عند العلماء، ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب عليه، وذهب الإمام أحمد إلى الوجوب، واستدلوا بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن رجلًا اكتتب في غزوة كذا وكذا، وامرأته حاجة، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج مع امرأته) ، وقوله: (اكتتب في غزوة كذا) أي: أنه فُرض عليه من الجمع والتأكيد؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:216] أي: فرض الله سبحانه وتعالى عليكم؛ ولهذا يقول الشاعر:
لا تأمنن فزاريًا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار