الصفحة 13 من 17

إلى لحم، فكل ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ذلك الحيوان وأجزائه، فلو انقلب إلى التراب كان حلالًا، فكذا عندما ينقلب إلى لحم يكون حلالًا (101) ، لأن الأصل في المطعومات الإباحة ·

علة النهي عن أكل الجلالة:

ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن علة النهي في الحديث الشريف هي النجس، فإذا كان غالب أكلها النجاسات فإن لحمها يتغير وينتن، ولذلك يكره ركوبها في الحج، وأن ينتفع بها ونحو ذلك، تجنبًا لإيذاء الناس بروائحها، بخلاف الدجاج المخلى، فإنه لا يكره لأنه لا ينتن، أو لأنه يخلط مع النجاسة الحب وغيره، فلا تكون النجاسة هي الغالبة (102) ·

وذهب الشافعية في قول، إلى مثل ما قاله الحنفية، وقيل إن الكثرة ليست هي الضابط، بل مجرد أكلها العذرة والنجاسة ·

والراجح في مذهب الشافعية، أن العبرة بتغير لحمها ونتنه (103) ، لأن روائح العذرة توجد في عرقها، ولأن لحومها تتغذى بها فتقلبها، فالنهي عندهم يحمل على الكراهة التنزيهية، فلا يحرم لحمها ولا لبنها ولا بيضها، فلو ارتضع جدي من كلبة وربي على لبنها، فالأصح أنه يأخذ حكم الجلالة فيحل أكل لحمه (104) لأن لحمه لا ينتن، فدل ذلك على أن النهي للتغير لا لغيره ·

ضابط زوال النهي:

إذا تقرر أن علة النهي هي النتن والتغير، فإن ذلك النهي يزول بزوال تلك العلة، سواء كان النهي للتحريم أو للكراهة، لأن النهي ليس لمعنى يرجع إلى ذاتها، بل لعارض جاورها، فإذا زال العارض، زال النهي ·

وبالرجوع إلى آراء الفقهاء، نجدهم متفقين على أن النهي يزول إذا حبست الجلالة على علف طاهر مدة ما، لكنهم اختلفوا في تقدير تلك المدة على النحو التالي:

ذهب الحنفية: إلى أنه لا يوقف في حبسها على مدة معينة، بل يكفي في حبسها مدة يطيب معها لحمها، وفي رواية عندهم، أنها تحبس ثلاثة أيام فقط (105) ·

وذهب الشافعية: إلى مثل قول الحنفية، ولا يكفي زوال الرائحة بالغسل بعد الذبح ولا بالطبخ، بل تحبس على علف طاهر حتى تزول الرائحة (106) ·

وفي قول: تعلف الجلالة علفًا طاهرًا إن كانت ناقة أربعين يومًا، وأن كانت شاة سبعة أيام، وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام (107) ·

وعند الحنابلة: تحبس ثلاثًا سواء كانت طائرًا أو بهيمة، وفي رواية، تحبس الدجاجة ثلاثًا، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين، لأنه أكبر جسمًا وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير (108) ·

الترجيح:

من خلال استطلاع آراء الفقهاء ومنشأ الخلاف عندهم، يظهر أن ما ذهب إليه جمهور الحنفية والشافعية من القول بكراهة لحوم الجلالة هو الأقرب لمقاصد الشريعة، لأن القول بالتحريم على إطلاقه فيه تحريم ما أحل الله أكله، ولا يصار إلى التحريم إلا بدليل صحيح وليس من ذلك ما نحن فيه ·

كما أن القول بالإباحة المطلقة، فيه إهمال لأحاديث النهي التي يتقوى مرسلها بمسندها ·

أما القول بالكراهة التنزيهية، فهو إعمال لما ورد من الأحاديث، خصوصًا إذا علمنا العلة من النهي كما تقدم، وبهذا يظهر أن أكل لحوم الحيوانات التي تدخل النجاسة في غذائها حلال ما لم تكن النجاسة هي الأغلب أو الخالصة، وما لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت