الصفحة 15 من 34

ويومين، وبعضها محددٌ بالمسافة، وهي كمسيرة يوم وليلة، ومسيرة يومين، ولعل في ذلك تنبيه إلى أن العلة ليست السفر الذي هو التنقل والترحل، بل قد تكون العلة ما ينتج منه من الإقامة والمكث بلا محرم، إذ لا يُتصور أن من سافرت مع محرمها إلى أوروبا، ثم رجع وتركها للإقامة بلا محرم، سلمت من النهي والتحريم، ثم يتعلق النهي بمن سافرت دون محرم، وكان في وداعها محارمُها وفي استقبالها زوجُها، لأن العلة وهي الخوف على المرأة واضحة في الأولى أكثر من الثانية ·

قال الدكتور يوسف القرضاوي بعد أن أورد حديث ابن عباس (لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم) قال:"فالعلة وراء هذا النهي، هو الخوف على المرأة من سفرها وحدها بلا زوج أو محرم، في زمن كان السفر فيه على الجِمال والبِغال أو الحمير، وتجتاز فيه غالبًا صحارى ومفاوز، تكاد تكون خالية من العمران والأحياء، فإذا لم يُصب المرأة في مثل هذا السفر شرٌ في نفسها، أصابها في سُمعتها، ولكن إذا تغير الحال -كما في عصرنا- وأصبح السفر في طائرة تقل مائة راكب أو أكثر، أو في قطار يحمل مئات المسافرين ولم يَعُد هناك مجال للخوف على المرأة إذا سافرت وحدها، فلا حرج عليها شرعًا في ذلك، ولا يعد ذلك مخالفة للحديث (1) ·"

وقد وجدت للباجي في شرحه الموطأ تأويلًا لطيفًا لأحاديث النهي، فقد قال:"ويحتمل قولُه صلى الله عليه وسلم (إلا مع ذي محرم) معنيين، أحدهما: أن لا تسافر هذه مع إنسان واحد، إلا أن يكون ذا محرمٍ منها، لأنه مأمونٌ عليها، والمعنى الثاني: أن لا تنفرد في مثل هذا السفر دون ذي محرم منها، لأنه يحفظها، ويجري إلى صيانتها، لما رُكِّب في طباع أكثر الناس من الغيرة على ذوي محارمهم والحماية لهم" (2) ·

ومقتضى الأخذ بالمعنى الأول: أن يقال بجواز سفر المرأة مع الركبِ والجماعةِ ولو كانوا أجانب عنها، وهذا المعنى وإن كان بعيدًا، لكنه يبقى احتمالًا واردًا كما قال الباجي، والله أعلم ·

صور مستثناة يجوز فيها سفر المرأة بلا محرم:

ومع ما سبق ذكره من آراء وخلاف للفقهاء في سفر المرأة، فقد استثنوا صورًا، اتفقوا على جوازها أو ندبها أو وجوبها ومنها:

1 -سفر من أسلمت في دار الحرب، وتخشى على نفسها الفتنة في دينها، ولا محرم لها، فتهاجر دون زوج أو محرم، لأنها بذلك تدفع ضررًا متحققًا، بتحمل ضرر متوقع ·

قال النووي:"اتفق أصحابنا على أن المرأة إذا أسلمت في دار الحرب، لزمها الخروج إلى دار الإسلام وحدها، من غير اشتراط نسوة ولا امرأة واحدة، وسواء كان طريقها مسلوكًا أو غير مسلوك، لأن خوفها على نفسها و دينها بالمقام فيهم أكثر من خوف الطريق، وإن خافت في الطريق"

(1) كتاب كيف نتعامل مع السنة النبوية د· يوسف القرضاوي ط دار الوفاء، الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي ص 921، المنتقى للباجي ج 7 ص 3 - 4 ·

(2) المنتقى للباجي ج 7 ص 3 - 4 ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت