هذا هو رأي الإمام ابن حزم , وهو أن المماثلة ممكنة في القصاص من كل جناية, خلافًا لما ذهب إليه عامة أهل العلم من أن المماثلة غير ممكنة في بعض صور القصاص , ولهذا اشترطوا امكان الإستيفاء بلا حيف أو امكان تحقق المماثلة- على اختلاف بينهم في العبارة- ثم اختلف هؤلاء العلماء فيما يتحقق به الأمن من الحيف أو ما تتحقق به المماثلة , على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب جمهور أهل العلم, من الشافعية [1] , والحنابلة [2] , إلى أن المماثلة لا تتحقق في القصاص من الأطراف إلا إذا كان القطع من مفصل , أو كان له حد ينتهي إليه, ولا تتحقق المماثلة في الجروح والشجاج إلا فيما ينتهي منها إلى عظم, وهي الموضحة في الوجه والرأس, وكل ما يوضح العظم كجرح العضد والفخذ والساق والقدم إذا كان ينتهى إلى عظم , ولا تتحقق المماثلة في المنافع إلا في إزالة البصر والسمع والشم , وكذا البطش والذوق عند الشافعية. وبناء عليه , فإنه لا قصاص في العظم إذا كسر, ولا في سائر الشجاج غير الموضحة, ولا في الجراح في سائر الجسد إلا ما انتهى منها إلى عظم, هذا هو المذهب عند الشافعية, والحنابلة. وقد خالفوا هذه القاعدة التي رسموها فيما إذا قطع بعض المارن, أو بعض الأذن, أو بعض اللسان , أو بعض الشفة , أو كسر بعض السن, فإنهم قالوا: يجب القصاص, مع كونه في طرف لا ينتهي إلى مفصل, وليس له-أي البعض- حد ينتهي إليه, ووجهوا هذا القول: بأن الهواء يحيط به ويمكن الإطلاع عليه [3] , ووجهوه أيضا: بأن ما جرى القصاص في جملته, جرى في بعضه. وهذا القول يدل على عدم اطراد تلك القاعدة في باب القصاص [4] ً.
وللشافعية قول آخر [5] :أنه يقتص من الباضعة, والسمحاق, والدامية, والمتلاحمة, ولا يقتص من الموضحة التي توضح عظم الصدر, أوالعنق, أوالساعد, أو الأصابع, والقول الأول هو الأصح عندهم, وهو المذهب عند الحنابلة, بل ذكر ابن قدامة [6] أنه
(1) في الروضة9/ 181 - 186,182.
(2) في الشرح الكبير والإنصاف 25/ 284,253,245.
(3) انظر: الروضة9/ 182.
(4) انظر: المغني11/ 555.
(5) انظر: الروضة9/ 181.
(6) في المغني 11/ 537.