الصفحة 16 من 39

القول الثاني:

ذهب الحنفية, إلى أن المماثلة لا تتحقق في القصاص من الأطراف إلا إذا كان القطع من مفصل , أو من موضع له حد معلوم , ولا تتحقق المماثلة في الشجاج إلا في الموضحة, والسمحاق , والباضعة, والدامية, ولا تتحقق المماثلة في الجروح كلها سواءً كانت جائفة أو غيرها, ولا تتحقق المماثلة في المنافع إلا في إزالة البصر [1] .

وروي عن أبي حنيفة أنه لا تتحقق المماثلة في الجروح إلا في الموضحة, والسمحاق [2] . وما ذهب إليه الحنفية , هو نحو قول الجمهور, إلا في الجراح, فإنهم لا يرون القصاص فيها مطلقًا إلا إذا سرت الجناية إلى النفس, لأنهم يرون أنه لا يمكن فيها استيفاء القصاص على وجه المماثلة [3] .

هذا وقد اختلف الحنفية والشافعية والحنابلة في بعض الأطراف كاللسان, والشفة, والثدي , وشفري المرأة , هل لها حد تنتهي إليه أو هل لها حد معلوم , أو لا؟ فمن قال: لها حد, أوجب فيها القصاص. ومن قال: ليس لها حد , منع القصاص [4] .

القول الثالث:

ذهب المالكية إلى أن المماثلة تتحقق في جميع الأطراف والجروح إلا ما كان مخوفًا, أو مؤديًا إلى التلف, ككسر عظام الصدر, والعنق , والصلب , والفخذ -لاتصاله بالبطن- وكالجائفة , فليس فيها قصاص. أما ما لم يعظم الخطر فيه, كقطع الطرف من مفصله, أومن حده الذي ينتهي إليه, وككسر عظم العضد, والذراع, والساق , والقدم , والكف ,والأصابع, وكقطع بعض المارن, وبعض الأذن , وبعض اللسان , وبعض الشفة , وكالموضحة وما دونها من الشجاج, وكالقصاص من جميع المنافع , وكل ما يمكن فيه القصاص دون خطر, ففيه القصاص [5] .

إذًا فحاصل هذا القول , أنه يجب القصاص فيما دون النفس ما أمكن ذلك , وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد نقلها عنه ابن منصور, واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية , كما حكى ذلك كله العلامة المرداوي حيث قال [6] :".. ونقل أيضًا-أي: ابن منصور- كل شئ من الجراح, والكسر, يقدرعلى الاقتصاص, يقتص منه؛ للأخبار. واختار ذلك الشيخ تقي الدين , وقال ثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالىعنهم"أهـ واختارهذا القول من المتأخرين الإمام الشوكاني, حيث قال [7] :"والحاصل أن القصاص ثابت في الجروح, وهي تشمل ما كان ذا مفصل وما كان غير ذي مفصل إذا أمكن الوقوف على مقداره, بحيث يمكن المقتص أن يقتص من الجاني بمثل الجناية الواقعة منه , وسواء كانت الجناية موضحة أو دونها أو فوقها , ... لأن جميعها من الجروح , والله سبحانه يقول: (والجروح قصاص) "أهـ.

ومما تقدم يظهر أن منشأ الخلاف بين الجمهور والمالكية , هو في تطبيق شرط الأمن من الحيف؛ فالجمهور يرون أن مفهوم الأمن من الحيف هو: أن يؤمن من الزيادة في القصاص. وهل المراد مجرد الزيادة ولو يسيرة؟ هذا هو ظاهر إطلاق الجمهور , قال في بدائع الصنائع [8] :"وفي السن القصاص ... في القلع يؤخذ سنه بالمبرد ... وقيل: يقلع سنه ... إلا أن في القلع احتمال الزيادة"وغالب عبارات الحنفية اطلاق اشتراط المماثلة في القصاص , كما في البدائع [9] وتبيين الحقائق [10] ولافرق بين هذين الاطلاقين. وقال النووي [11] :"يجب القصاص بقطع الطرف بشرط امكان المماثلة وأمن استيفاء الزيادة"وعلق الخطيب الشربيني [12] على عبارة المنهاج (ويجب القصاص في الموضحة فقط) بقوله:"لتيسر ضبطها واستيفاء مثلها , وأما غيرها فلا يؤمن الزيادة والنقصان في طول الجراحة وعرضها"وهكذا أطلق أكثر الحنابلة اشتراط أمن الزيادة ,

(1) انظر: بدائع الصنائع7/ 298, 309,307, ومجمع الأنهر2/ 624.

(2) انظر: المرجع السابق.

(3) انظر: بدائع الصنائع 7/ 310.

(4) انظر المراجع السابقة.

(5) انظر: عقد الجواهر3/ 1101 - 1102ومواهب الجليل6/ 247 - 248 وتبصرة الحكام2/ 230.

(6) في الإنصاف 25/ 247.

(7) في السيل الجرار (4/ 387)

(11) في الروضة 9/ 181.

(12) في مغني المحتاج 4/ 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت