كما في المغني [1] حيث قال في القصاص من السن:"ويكون القصاص بالمبرد؛ ليؤمن أخذ الزيادة ... ولا يقتص حتى يقول أهل الخبرة: إنه يؤمن انقلاعها , أو السواد فيها؛ لأن توهم الزيادة يمنع القصاص في الأعضاء"ثم قال ابن قدامة كلامًا نفيسًا , ما نصه:"فإن قيل: فقد أجزتم القصاص في الأطراف مع توهم سرايتها إلى النفس , فلم منعتم منه لتوهم السراية إلى بعض العضو؟ قلنا: وهم السراية إلى النفس لا سبيل إلى التحرز منه , فلو اعتبرناه في المنع لسقط القصاص في الأطراف بالكلية , فسقط اعتباره , وأما السراية إلى بعض العضو, فتارة نقول إنما يمنع القصاص فيها احتمال الزيادة في الفعل لا في السراية , مثل من يستوفي من بعض الذراع , فإنه يحتمل أن يفعل أكثر مما فعل به, ... وتارة نقول: إن السراية في بعض العضو إنما تمنع إذا كانت ظاهرة"أهـ وبهذا يتضح أن أكثر الجمهور يطلقون القول باشتراط أن يؤمن من الزيادة عند القصاص , خلافًا لما أشار إليه ابن قدامة من تقييد بعضهم السراية بالسراية الظاهرة , وهي صورة من صور الزيادة والحيف إذا كانت معلومة كما هنا , وعندي أن هذا قيد مهم جدًا , وعليه فيشترط الأمن من الزيادة المطلقة , لا من مطلق الزيادة , ويشترط مطلق المماثلة في القصاص ,لا المماثلة المطلقة , ويدل لذلك أدلة, منها:
1 -أن الزيادة اليسيرة مما يشق التحرز منه , كالسراية التي لا يمكن التحرز منها , ومراعاة ذلك يؤدي إلى اسقاط القصاص بالكلية , وهذا ما ألمح إليه ابن قدامة في سياق كلامه السابق عن السراية حين قال:"السراية إلى النفس لا سبيل إلى التحرز منه , فلو اعتبرناه في المنع لسقط القصاص في الأطراف بالكلية , فسقط اعتباره"أهـ ومن هذا الباب, ما قرره أهل العلم من عدم اشتراط التساوي بين طرف الجاني والمجني عليه في الدقة والغلظ, ونحو ذلك؛ للعلة ذاتها, كما صرح بذلك ابن قدامة حيث قال [2] :"ولا يشترط التساوي في الدقة والغلظ, والصغر والكبر, والصحة والمرض؛ لأن اعتبار ذلك يفضي إلى سقوط القصاص بالكلية"أهـ.
2 -أن الفقهاء قد أجمعوا على وجوب القصاص في العظام التي تنتهي إلى مفصل , وفي الجراح والشجاج التي تنتهي إلى عظم , علمًا أن هذه الجنايات لا يؤمن فيها الزيادة اليسيرة أو السراية عند القصاص , حتى مع تقدم الطب الحديث,
(2) في المغني 11/ 537.