كما أفادني بذلك بعض الأطباء المختصين في هذا الشأن. هذا هو حاصل رأي الجمهور في هذه المسألة , وهو أنهم يرون أن مفهوم الأمن من الحيف أن يؤمن من الزيادة في القصاص.
أما المالكية , فيرون أن مفهوم الأمن من الحيف هو: الأمن مما يعظم الخطر فيه, بحيث لا يؤدي استيفاء القصاص إلى هلاك الجاني.
وبهذا يتبين أن الفقهاء متفقون على أنه يشرع القصاص إذا أمكن استيفاؤه مع الأمن من الزيادة, ومتفقون على أنه لا يشرع القصاص إذا أمكن استيفاؤه مع احتمال الخطر على حياة الجاني. واختلفوا فيما لا يؤمن معه الزيادة عند القصاص, ولا يعظم فيه الخطر, فالجمهور على عدم مشروعية القصاص- لعدم الحيف- والمالكية على مشروعيته.
وبناء عليه , فإنه إذا تحقق الأمن من الزيادة في هذا العصر- بسبب تقدم طب الجراحة- وتحقق الأمن من الحيف, فإنه يرتفع بذلك الخلاف الفقهي؛ لاختلاف المناط الذي بنى عليه الفقهاء القول بالمنع, ويلزم القول بالمشروعية, وهذا ما أشار إليه العلامة المحقق محمد الأمين الشنقيطي, حيث قال [1] :"واختلاف العلماء في ذلك, إنما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة, فالذين يقولون بالقصاص يقولون: إنه يمكن من غير حيف, والذين يقولون بعدمه يقولون: لا يمكن إلا بزيادة أو نقص, وهم الأكثر"أهـ.
ويشهد لما قرره هؤلاء المعاصرون أن ابن قدامة قد حكى إجماع أهل العلم على وجوب القصاص فيما دون النفس إذا أمكن, حيث قال [2] :"وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن"أهـ وكذا حكاه ابن هبيرة [3] اتفاقًا. وبهذا يتبين أن مناط الحكم في المسألة هو في مدى امكان القصاص بلاحيف , فمن قال: يمكن القصاص بلا حيف , حكم بوجوبه , ومن قال: لا يمكن القصاص إلا بحيف , حكم بعدم جواز القصاص.
(1) في أضواء البيان 2/ 84.
(2) في المغني 11/ 531.
(3) في الإفصاح 2/ 167.