قصاص)"أهـ, وهذا يعني أن من الجروح: الجناية على الأعضاء بإبانتها, وقد صرح بذلك الحافظ ابن كثير [1] حيث علق على هذه الآية بقوله:"الجراح تارة تكون في مفصل , فيجب فيه القصاص بالإجماع, كقطع اليد والرجل والكف والقدم, ونحو ذلك .."أهـ وبهذا يكون مفهوم الجروح شرعًا أوسع مما اصطلح عليه الفقهاء, بحيث يشمل الجناية على الأعضاء بالقطع أو بالكسر , بالإضافة إلى معناه الخاص عند الفقهاء."
الثاني: شق الجلد , ومنه قولهم:"جرحه بحديدة جرحًا"والاسم: الجُرح , كما أفاد هذين الاستعمالين ابن فارس [2] وهذا المعنى اللغوي الثاني هو ما اصطلح عليه أكثر الفقهاء في باب الجنايات, حيث قصروا لفظ الجروح على معنى شق الجلد أو اللحم (أو العظم تجوزًا) ولهذا خصوا الجروح بالشجاج الواقعة على الوجه والرأس - كما سيأتي بيانها- وبالجراح التي تنتهي إلى عظم في سائر البدن, كجرح العضد , وجرح الساق, وجرح الفخذ, وجرح القدم , ونحو ذلك.
وبكل حال , فمن فرّق بين الأطراف والجروح , بحيث جعل للجروح معنى أخص لا يشمل إبانة الأطراف , فهذا اصطلاح, له وجه في اللغة- كما تقدم - ويمكن أن يستدل لهذا بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} , حيث عطف القصاص في الجروح على القصاص في الأطراف , وهذا العطف في الأصل يقتضي المغايرة , ويرجح هذا التفسير القاعدة الشهيرة , وهي أن التأسيس أولى من التأكيد , يعني: أن تأسيس معنى جديد أولى من تأكيد معنى سابق, فإذا قلنا بأن قوله تعالى:: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} تعميم بعد تخصيص- كما عليه أكثر المفسرين- لم نستفد معنى جديدًا , أما إذا فسرنا الجروح في الآية بهذا المعنى الثاني, فقد أسسنا معنى جديدًا.
أما من جعل للجروح معنى أعم بحيث يشمل إبانة الأطراف , فهذا أيضًا اصطلاح له وجه في اللغة , والشرع- كما تقدم- ولا مشاحة في الاصطلاح.
(1) في تفسيره 2/ 581.
(2) في معجم مقاييس اللغة 1/ 451.