الصفحة 18 من 58

يحرفون آيات الله ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيا (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم فيما هم فيه [1] .

وقال ابن سعدي رحمه الله: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم أو فاعل لمحرم فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر الذي لا يقدر على إزالته، وهذا النهي والتحريم لمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى بأن كان يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم فيترتب على ذلك زواله وتخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال:"وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون": أي ولكن ليذكرهم ويعظهم لعلهم يتقون الله تعالى [2] .

2 -عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" [3] .

وإنكاره بقلبه الذي هو أضعف الإيمان: بأن لا يرضى به، وينكر في باطنه على متعاطيه فيكون تغييرا معنويا؛ إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير، وإذا جلس معه وأنس بالمنكر لم يكن مغيرا بقلبه [4] .

3 -عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر) [5] .

وجه الاستدلال:

فيه أن من يفعل ذلك كأنه لم يؤمن بالله واليوم الآخر لعدم خوفه من شدة العقوبة، يعني وإن لم يشرب معهم؛ لأنه بجلوسه كأنه أقرهم على المنكر) [6] .

4 -أن المتفرج على المحرم يشاهد المنكر من غير حاجة إليه فمنع منه؛ كما لو شاهده مع القدرة على إزالته [7] .

5 -أن المتفرج على التفحيط إن جلس معهم نسب إليهم، فإن جليس القوم منهم [8] ، وفي قوله صلى الله

(1) تفسير ابن كثير ج2/ ص145.

(2) تفسير السعدي ج1/ ص260.

(3) أخرجه مسلم، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، ح (49) ، صحيح مسلم ج1/ ص69.

(4) ينظر مرقاة المفاتيح ج9/ ص324.

(5) أخرجه أبو داود في باب ما جاء في الجلوس على مائدة عليها بعض ما يكره، ح (3774) ، وأعله، سنن أبي داود ج3/ ص349، والترمذي في باب ما جاء في دخول الحمام، ح (2801) ، وقال: هذا حديث حسن غريب، سنن الترمذي ج5/ ص113، والنسائي في النهي عن الجلوس على مائدة يدار عليها الخمر، ح (6741) ، سنن النسائي الكبرى ج4/ ص171، والحاكم، ح (7779) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين ج4/ ص320، وقال في فتح الباري ج9/ ص250: ما أخرجه النسائي من حديث جابر مرفوعًا .. ، وإسناده جيد، وأخرجه الترمذي من وجه آخر فيه ضعف عن جابر، وأبو داود من حديث بن عمر بسند فيه انقطاع، وينظر التلخيص الحبير ج3/ ص196.

(6) ينظر مرقاة المفاتيح ج8/ ص143، تحفة الأحوذي ج8/ ص69، تبيين الحقائق ج6/ ص13.

(7) ينظر المبدع ج7/ ص184.

(8) ينظر الفواكه الدواني ج2/ ص350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت