الصفحة 24 من 58

رابعا: إن تسبب في جرح غيره، أو إتلاف عضو.

فإن ما قيل في النفس يجري على ما دونها، نص على ذلك الشافعية [1] ، والحنابلة [2] .

إلا أن الحنفية قالوا ليس فيما دون النفس شبه عمد، بل خطأ وعمد [3] ، وكذا المالكية حيث لم يثبتوا شبه العمد أصلا [4] .

واستدل الحنفية على عدم وجود شبه عمد فيما دون النفس: بما روى أنس رضي الله عنه أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع، لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أنس كتاب الله القصاص"فرضي القوم فعفوا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" [5] .

ويناقش بعدم التسليم أنه شبه عمد بل إنها كسرت ثنيتها عمدًا؛ كما هو ظاهر من الحديث [6] .

وبناء عليه فإن جرح اللاعب (المفحط) غيره فأتلف عضوا على وجه اللعب فإنه من شبه العمد لأنه لم يقصد القتل، وإنما قصد اللعب، فهذه شبهة تدرأ القصاص عنه.

وليس من الخطأ؛ لأنه فعل ما ليس له فعله، وما ليس فيه مصلحة فجرح به غيره.

المطلب الثاني: الواجب على من جنى على نفسه أو غيرها بسبب المخاطرة باللعب:

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: ضمان من جنى على نفسه أو طرفه بسبب المخاطرة باللعب.

تحرير محل النزاع:

أولا: اتفق أهل العلم رحمهم الله تعالى على وجوب الدية على من قتل غيره خطأ [7] ؛ لقوله تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) [النساء: 92] .

ثانيا: اتفق أهل العلم القائلون بإثبات شبه العمد بوجوب الدية مغلظة على من قتل غيره شبه عمد مع اختلافهم في صفة التغليظ مما ليس مقام بيانه [8] .

ثالثا: اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في وجوب ضمان من جنى على نفسه، أو على طرفه عمدا أو

(1) ينظر مغني المحتاج ج 4/ ص 25.

(2) ينظر المغني ج 8/ ص 261.

(3) ينظر البحر الرائق ج 8/ ص 348، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ج 4/ ص 311، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ج 2/ ص 714، شرح معاني الآثار ج 3/ ص 189.

(4) ينظر الكافي لابن عبد البر ج 1/ ص 588.

(5) أخرجه البخاري في باب:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر"إلى قوله"عذاب أليم"، ح (4230) . صحيح البخاري ج 4/ ص 1636.

(6) ينظر المهذب ج 2/ ص 177.

(7) ينظر البحر الرائق ج 8/ ص 333، منح الجليل ج 9/ ص 24، المهذب ج 2/ ص 190، إعانة الطالبين ج 4/ ص 125، الكافي في فقه ابن حنبل ج 4/ ص 118، الإنصاف للمرداوي ج 9/ ص 446، الروض المربع ج 3/ ص 277.

(8) ينظر المبسوط للسرخسي ج 26/ ص 65، إعانة الطالبين ج 4/ ص 125، الإنصاف للمرداوي ج 9/ ص 446، الروض المربع ج 3/ ص 277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت