الصفحة 23 من 58

القتل باللعب بالسيارات (التفحيط)

من خلال النظر فيما وجدته من كلام أهل العلم، وبالتأمل بقواعد الشريعة ومقاصدها فإنه يمكن القول إن:

اللاعب بالسيارة (المفحط) على رأي أهل الخبرة مخالف لأنظمة السير التي تقتضي سلامة سائق المركبة، وسلامة غيره، وقد يتسبب في موت نفسه أو موت غيره، وهو إن وقع بسببه حادث فلا يخلو من أحوال:

أولا: إن قتل بذلك نفسه فأمره إلى الله؛ لأن هذا النوع من اللعب قد تغلب فيه المرء نفسه، ويقصد التحدي حتى لو كان يغلب على ظنه أنه يموت كما يذكر ذلك بعض اللاعبين فيكون قاتلا لنفسه.

قال ابن تيميه رحمه الله تعالى: (فهذا الذي منع من قتل الحية وأمسكها بيده حتى قتلته أولى أن يترك أهل العلم والدين الصلاة عليه؛ لأنه قاتل نفسه، بل لو فعل هذا غيره به لوجب القود عليه. وإن قيل إنه ظن أنها لا تقتل فهذا شبيه عمله بمنزلة الذي أكل حتى بشم فإنه لم يقصد قتل نفسه، فمن جنى جناية لا تقتل غالبا كان شبه عمد، وإمساك الحيات من نوع الجنايات فإنه فعل غير مباح) [1] .

ثانيا: إن قتل (المفحط) بذلك غيره وكان غير مشارك له في اللعب ولامتفرجا؛ كالمار، ونحوه، فقد ذكر المالكية [2] أن اللاعب إذا قتل غيره، والآخر لم يلاعبه ولم يشاركه في اللعب فإنه يعد قتل عمد يوجب القود على قول عند المالكية [3] .

وكذا نص الحنفية أيضا أن قصد اللعب لا يرفع عنه القود [4] .

والراجح والله أعلم أن من جنى على غيره باللعب المسمى بالتفحيط، وكان المجني عليه غير مشارك له في اللعب فإنه من شبه العمد؛ لأنه لم يقصد القتل، وإنما قصد اللعب، فهذه شبهة تدرأ القصاص عنه.

وليس من الخطأ؛ لأنه فعل ما ليس له فعله وما ليس فيه مصلحة فقتل به غيره فكان

شبه عمد.

ثالثا: إن قتل (المفحط) بالتفحيط غيره وكان مشاركا له في اللعب فإنه يعدّ من قتل الخطأ، ويرجع لأهل الخبرة في تقدير نسبة الخطأ فيمن تسبب في القتل والإتلاف.

وكذا إن كان متفرجا ومشجعا فإنه قد يتسبب في قتل نفسه، فيكون قتله بفعل (المفحط) ، وفعل نفسه.

(1) ينظر رسائل وفتاوى ابن تيميه في الفقه ج24/ ص291، المبدع ج8/ ص251.

(2) ينظر القوانين الفقهية ج1/ ص230، المدونة الكبرى ج16/ ص308، بداية المجتهد ج2/ ص305، ولم أجد ذلك لغيرهم فيما اطلعت عليه.

(3) ينظر بداية المجتهد ج2/ ص305، الذخيرة ج12/ ص280.

(4) ينظر البحر الرائق ج8/ ص348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت