يخفهم بعد ذلك، و لم يرهبهم، و لم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم، و المدبر لهم غيرهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره و ضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا له، و متى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم و لم يتعلق أمله و رجاءه بهم فاستقام توحيده و توكله و عبوديته (1) . و قد أبان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن هذه العقيدة بما لا مزيد عليه.
فقال: أهل السنة و الجماعة:"الفرقة الناجية"وسط في النحل كما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله و رسله و عباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، و لم يجفوا عنهم كما جفت اليهود، و هم وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء و يمحو ما شاء و يثبت ما شاء، كما قالته اليهود، و لا جوزوا لأكابر علمائهم و عبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، و ينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى.
و هم كذلك وسط في باب صفات الله تعالى: فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، و النصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، هذا في باب يطول حصره.
و أما أهل السنة و الجماعة في الفرق فهم وسط كذلك، فهم في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله و آياته و يعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم و الموات، و بين أهل (التمثيل و التشبيه) الذين يضربون له الأمثال و يشبهونه بالمخلوقات. و أما هم: فيؤمنون بما وصف الله به نفسه و ما وصفه به رسوله - - صلى الله عليه وسلم - - من غير تحريف و لا تعطيل و لا تكييف و لا تمثيل.
(1) أنظر: الفوائد ـــ لا بن القيم: 34 ـــ 35