الثانية: المبالغة و التأكيد الشديد على السمع والطاعة لمن توافرت فيه الشروط، وبايعته الأمة عن رضًا واختيار، لا إقرار إمامة العبد والمتغلب على الأمة ووجوب السمع والطاعة له، وذلك نظير قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف: 81) فهو من باب ضرب المستحيل، لا إقراره، والمعني على فرض جواز أن يكون لله ولد تعالى الله عن ذلك وتنزه وهذا مستحيل، فأنا أول المؤمنين بعبودية الله تعالى، وعليه فمعنى الحديث على فرض جواز إمامة العبد الآبق وهذا مستحيل، فاسمعوا وأطيعوا لمن توافرت فيه الشروط.
الثالثة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينص على وجه الإلزام بإمامة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ من بعده، يدل على ذلك اختلاف الأنصار والمهاجرين في سقيفة بني ساعدة إذ كيف يختلفون على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان هناك أمر فلما لم يكن ساغ الاختلاف حتى حصل الإتفاق على بيعة أبي بكر عن رضًا واختيار كما سبق بيانه. يؤيد ذلك مقالة عمر ين الخطاب رضي الله عنه كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
قيل لعمر ألا تستخلف؟ قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأثنوا عليه فقال راغب وراهب وددت أني نجوت منها كفافًا لا لي ولا علي لا أتحملها حيا وميتا). (1) ولا يفهم من الحديث في الاستخلاف الإلزام بل هو الترشيح من عمر ـ رضي الله عنه ـ وهذا حق له يرشح من يراه مناسبًا كما سبق بيانه في نظام الإسلام في الحكم، ويكفي في تأييد ذلك قول عبدالرحمن ـ رضي الله عنه ـ: (يا علي لا تجعل على نفسك سبيلًا فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان) . (2)
(1) صحيح البخاري: 6/ 2638 (6792)
(2) تاريخ الطبري: 2/ 582 - 583