فهرس الكتاب
والوجه الثاني: أنه لابد وأن يصيب الماشي وهو ذاهب إلى الصلاة شيء منها ومع ذلك فإن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يأمرهم أن يغسلوا ما تصيبه الخمرة من أبدانهم و ثيابهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
لكن في الاستدلال بهذا الدليل من هذين الوجهين نظر:
أما الوجه الأول: وهو قولهم: أن في أراقتها في الطرقات تنجيس لها وهو محرم.
فلأهل القول الأول أن يقولوا: إنما فعل ذلك لمصلحة شرعية راجحة وهي إظهار إجتناب هذا المنكر الذي قد اعتاد عليه العرب وألقوه، وفي ذلك تشجيع للناس على تركه فلهذه المصلحة العظيمة جاز أن يراق وأن كان نجسًا ولا شك أنه سيذهب بعد زمن يسير بالشمس أو الريح أو نحو ذلك.
وأما الوجه الثاني: وهو قولهم: أنه لو كان نجسًا لأمر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من يأتي إلى المسجد أن يغسل ما يصيبه منه، فهذا فيه نظر - على قول الجمهور - فيقال إن الله تعالى قال ? رجس من عمل الشيطان ? فما دام أن الله بين ذلك فلا يشترط بيان النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم_.
و الراجح القول الثاني وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة.
وأما استدلال أهل القول الأول بقوله تعالى: ? إنما الخمر والميسر ... ? فأن الرجس في لغة العرب هو القذر ولا يلزم أن يكون نجسًا حسيًا كالمني و المخاط، و المراد بالنجاسة و القذارة هنا النجاسة المعنوية وذلك لقرينتين:
القرينة الأولى: أن الله جلا و علا عطفها على ما نجاسته معنوية فقال سبحانه: ? إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ? فهذه الثلاثة بالإجماع طاهرة العين نجسة المعنى فكذلك الخمر فهذه القرينة تقوي أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية.
القرينة الثانية: قوله: ? رجس من عمل الشيطان ? و النجاسة الحسية طبيعية لا يقال فيها إنها من عمل الشيطان فقوله:? من عمل الشيطان ? يدل على أن النجاسة معنوية، لما في الخمر من إيقاع العداوة والبغضاء وترك ذكر الله والصلاة ونحو ذلك مما هو من عمل الشيطان فعلى ذلك الراجح أن الرجس هنا: هو الرجس المعنوي.
إذن: الخمر طاهرة وليست بنجسة، فإذا أصاب البدن منها شيء لم ينجس ومن ذلك العطور المصنوعه من الكحول كالكالونيا فإنها من الخمر فإنها ليست بنجسة على الراجح.
و أما إذا كان الكحول مستهلكًا فلا ينبغي القول بنجاستها.
و قد ذهب كثير من الأصحاب إلى أن الحشيشة طاهرة و هي كالخمر، و المذهب أنها نجسة أيضًا.