فهرس الكتاب
و لأن الشارع إنما حكم بنجاستها لما فيها من الخبث، فإذا تحولت إلى عين أخرى حكم الشارع بطهارتها كتراب أو ملح أو رماد أو نحو ذلك، فهذه مادة طيبة قد حكم الشارع بطهارتها ولم يبق اسم للعين الأولى و لا وصف، و النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لما بنى مسجده أمر بنبش ما فيه من قبور المشركين ولم يأمر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بحمل التراب ومن المعلوم أن من الدم والصديد ما قد تحول إلى تراب، وهذا على القول بأن الدم والصديد نجس كما هو المذهب.
فالراجح: ما ذهب إليه أهل القول الثاني لأنه لم يبق للنجاسة اسم ولا معنى.
قوله: [غيرَ الخمرة]
أي الخمر، فالخمر إذا تحول بنفسه إلى خل فإنه يطهر بذلك.
واعلم أن الخمر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو نجس أم طاهر؟
فذهب الجمهور إلى أن الخمر نجس واستدلوا بقوله تعالى: ? إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ?، قالوا: والرجس هو النجس، كما قال تعالى: ? قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس ? قالوا: أي نجس فالآية الأولى نظير الآية الثانية، قالوا: فيدل هذا على نجاسة الخمر.
فإن قيل: فلم لم تحكموا على الأزلام والميسر والأنصاب - بالنجاسة الحسية؟
قالوا: هذه أخرجها الإجماع، فقد أجمع العلماء على أن نجاستها ليست حسية بل معنوية، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وقد حكى هذا القول إجماعًا، لكن هذا الإجماع منتقض لوجود المخالف.
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الخمرة طاهرة وهو قول داود والمزني والليث بن سعد وربيعه وذهب إليه بعض المتأخرين وممن اختاره الصنعاني و الشيخ محمد بن عثيمين.
واستدلوا: بأن الأصل في الأشياء الطهارة و لا يلزم من تحريم شيء القول بنجاسته، فإن الشارع قد حرم الأنصاب والأزلام وهي ليست نجسة فليس كل محرم نجسًا، فالأصل في الأشياء الطهارة وهذه منها، قالوا: وقد ثبت في البخاري عن أنس بن مالك قال: (لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات) .
قالوا: والاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
الوجه الأول: إرقة النجاسات في طرق الناس محرم فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في طرقات الناس كما تقدم من تحريم التبرز ونحوه في الطريق فهذا محرم وكذلك غيره من النجاسات، فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في الطرقات.