قالوا: والنبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ لم يأمر الناس بالوضوء في حجته ولا في عمره وما ذكرتموه من الأدلة فإنها لا تدل على المطلوب وهو فرضية الوضوء، وإنما تدل على مجرد استحبابه فإن وضوء النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ قبل طوافه فعل والفعل لا يدل على الوجوب، وأما استدلاهم بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) فإنكم لم تستدلوا بهذا الدليل على مسائل هي أعظم من الوضوء، فإن المسائل المتصلة بالطواف نفسه كالاضطباع والرمل ونحو ذلك من مسائل الطواف، هذه مسائل متصلة بالطواف نفسه ومع ذلك لم توجبوها، بل جعلتموها من السنن والمستحبات باتفاقكم فأولى منها ماهو خارج عنه وهو الوضوء وغاية الأمر أن يدل ذلك على استحباب الوضوء.
وأما الحديث: فإنه لا يصح الاستدلال به على هذا المطلوب بدليل: أن هذا الحديث قد ذكر فيه النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ أن الله قد أحل فيه النطق وغالب مسائل الصلاة لا تثبت للطواف كالنهي عن الأكل والشرب والحركة الكثيرة والالتفات الكثير ونحو ذلك مما حرم في الصلاة بالإجماع وهو جائز في الطواف بالإجماع ولو كان صلاة لافتتح بالتكبير واختتم بالتسليم، كما قال _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) وليس في الطواف بالاتفاق تكبير مفترض ولا تسليم مطلقًا.
فإذن: قول النبي _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _: (الطواف بالبيت صلاة) ليس مراده أنه صلاة له أحكام الصلاة، وإنما المراد أنه عبادة يتقرب بها إلى الله، وهي عبادة متصلة بالبيت كاتصال الصلاة وأنه يكره فيها العبث وينبغي أن يكون فيها على سكينة و وقار.
فيكون نظير قوله _ صلى الله عليه وعلى آله وسلم _: (فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه) فإن الرجل الذي ينتظر الصلاة قد نص الشارع أنه في صلاة مع أنه ليس في الصلاة حقيقة لكنه في عبادة هي انتظار للصلاة ومع ذلك بالإجماع لا يجب عليه ما يجب على المصلي وكذلك إذا غدا إلى المسجد أو راح فإنه في صلاة كما ثبت في أبي داود.
ثم إن حديث: (الطواف بالبيت صلاة) الصواب وقفه على ابن عباس قال شيخ الإسلام"و أهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفًا ويجعلونه من كلام ابن عباس ,لا يثبتون رفعه"اهـ فالراجح أن الطواف بالبيت لا يشترط فيه الوضوء و إنما يستحب له وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
الغُسل: لغة هو فعل الاغتسال، ويصح أيضًا بالفتح"الغَسل"والأول أشهر، إلا أن الفتح أشهر في الماء الذي يغتسل به، فإنه يطلق عليه غَسلًا بالفتح على الأشهر ويطلق عليه غُسلًا بالضم.