الصفحة 114 من 139

والسؤال الآخر: هل مثل هذا العقاب للذي اغتصب كمثال: هل فيه أي نوع من الردع له ولأمثاله أو مَن يفكر أن يفعل مثله وقد ينجو من العقاب أو لا ينجو فيجد سجنًا يؤيه وطعامًا يكفيه وشرابًا ولهوًا ولعبًا؟!! هل نشك أن خلف انتشار هذه الأفكار عتاة المجرمين الذين يريدون ضمان العيش الرغد إذا تم القبض عليهم في يوم من الأيام؟!

تخيلوا مثلًا شخصًا يفكر في السرقة وأمامه عقابان إذا تم القبض عليه متلبسًا: الأول عقاب السجن (أيًا ما كانت المدة والظروف) ، والثاني هو قطع يده!! أيهما فيه رحمة بالمجتمع؟ وفيه عدل بعقاب اليد السارقة؟ وفيه ردع له ولأمثاله؟! والإجابة: لا تحتاج إلى توضيح!! حسنًا، سؤال آخر (وهو موجه خصيصًا لكل جاهل بالفقه ثم تجده يتفلسف في الحدود وكأنه اكتشف ما لم ينتبه إليه أحد طيلة 1400 سنة) وهو: ماذا عن المرتشي والمختلس والفاسد المالي و و و و؟ لأن أولئك فيهم مَن لا تنطبق عليه شروط (قطع يد السارق) مثل السرقة من حِرز ونحوه [1] ؟ الإجابة: لم يترك الشرع شيئًا إلا ووضع له قاعدة ينطلق منها، فهناك مثلًا التعزير، وهو باب من العقوبات متروك تقديره للقاضي أو للحاكم، وقد يصل في بعض الأحيان إلى ما هو أكبر أو أشد من بعض الحدود ليتناسب مع حجم الجريمة المرتكب!! فالفقه الإسلامي مجاله كبير ولا يحق أن يتحدث فيه إلا مَن يقرأ ويفهم ويتتلمذ، حتى حد الرجم بالحجارة: ففيه عدل القتل بالحجارة كما هدم الزاني بيتًا من الحجارة (والجزاء من جنس العمل) ، هذا إذا كان محصنًا (أي متزوج أو متزوجة) ، أما إذا غير محصن فالجلد والتغريب عام (أي الإبعاد عن البلدة عام ما عدا المرأة غير المتزوجة إذا لم يكن لها ولي تغترب معه) ، وهنا يخرج سؤال قد يتبادر إلى ذهن البعض وهو: ألم يأت في الحديث الصحيح أن الله تعالى قد كتب الإحسان على كل شيء؟ سواء في القتل أو الذبح ونحوه؟ والإجابة: نعم، والسؤال: أين إحسان القتل هنا في الرجم مثلًا؟ والحقيقة أن هذا السؤال ينم كذلك عن عدم قراءة أو اطلاع على الفقه، بل غالبًا تجد السائل قرأ لأحد الطاعنين في الحدود في ذلك العصر الحالي (وما أكثرهم مع تفشي الجهل) ونسأل:

هل من الإحسان ألا نعاقب القاتل؟ المغتصب؟ السارق؟ والإجابة البديهية لدى أصغر طفل: لا بالطبع!! بل قمة الإحسان للفرد والمجتمع هو معاقبة هؤلاء لحماية الآخرين منهم ولردع غيرهم (وهو ما كان موجودًا في كل بلد تطبق شرع الله في الحدود إلى أن تدخل فيها الغرب بأنفه وبحقوق الإنسان المزعومة فألغاها أو خفف منها كثيرًا فانتشرت الجرائم!!) ، وأما الإحسان في قطع يد السارق: فهو في تقصي الأدلة والشهود وانطباق الشروط (فليس كل سرقة ينطبق عليها شرط قطع يد السارق) ، وكذلك في قطع اليد نفسه حيث يكون سريعًا ويعتني

(1) مواصفات السرقة في الإسلام والتي يكون فيها قطع اليد هي: أن تكون السرقة من حِرز (أي شيء مغلق أو مربوط أو مقفول عليه) بحيث يكون السارق أخرجه عامدًا متعمدًا من هذا الحِرز وهو مختفي عن الأنظار، وأن يشهد على السرقة شاهدي عدل أو يعترف السارق على نفسه، وأن يدعي المالك السرقة أمام القاضي أو الحاكم، وأن يكون المسروق لا شبهة فيه، وأن يكون مما يتمول في العادة، وأن يبلغ النصاب (أي ما قيمته ربع دينار ذهب فما فوق) ، وأن يكون السارق بالغا مكلفا ليس طفلا ولا مجنونًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت