فهرس الكتاب
على وجود الإله أو الخالق ويتمنى أنه لو تواصل معه أو أرسل الخالق له رسالة أو رسول، ولعل من أشهر الشخصيات التاريخية المعروفة بالربوبية كان زيد بن عمرو بن نفيل الذي كفر بالأديان المُحرفة التي رآها حوله في مكة (اليهودية والنصرانية) ، وكذلك كفر بوثنية قريش، ولكنه كان على يقين من وجود إله ورب، وعلى يقين بأنه كان له رسالة ورسل بقيت آثارها في الكعبة رغم التحريف والتشويش [1] .
جدير بالذكر أن زيد بن عمرو بن نفيل عاصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، ولم يكن يسجد للأصنام مثله ولم يأكل مما تم ذبحه على النصب لها، لكنه مات قبل نزول الوحي على النبي، ومما يرويه النسائي قول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها:
"لقد رأيت زيدًا بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بيده (يقصد الله الذي بيده كل نفس) ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري"،"اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته".
فقد كان على الحنيفية السمحة دون أن يتبع رسالة معينة، ولذلك قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الحاكم في مستدركه أنه:
"يأتي يوم القيامة أمة وحده"، والحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه [2] .
ولذلك كان ابنه سعيد بن زيد من أوائل المتبعين للنبي عندما ظهر، وهو من العشرة المبشرين بالجنة كما في الحديث الصحيح (أي الذين أخبر النبي أنهم في الجنة وهم لم يموتوا بعد وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين) . فهذه الفطرة الإيمانية في الاعتراف بوجود الخالق وتعظيمه تظهر لدى كل إنسان سوي (فهي لا تحتاج إلى الرسالة أو الرسول الذي يكون وظيفته الأساسية تعريف الناس بالشرع) يقول عز وجل:
"قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض"إبراهيم 10.
(1) كان أغلب العرب يحج إلى بيت الله الحرام الكعبة في مكة، حيث ورثوا ذلك التعظيم والشرائع من سنة أبينا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام رغم ما مس ذلك كله من أباطيل الشرك والوثنية، وقد كان يعرف زيد بن عمرو بن نفيل ذلك، وحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه:"أن النبي لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بأيديهما الأزلام فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط"أي والله لم يستقسما بالأزلام قط، والأزلام هي أسهم يتم كتابة على بعضها افعل والآخر لا تفعل، ثم يتم خلطها والسحب منها عشوائيا على أن ذلك رأي الرب.
(2) لقد وضع البخاري ومسلم كل منهما شروطًا دقيقة لقبول وجمع الأحاديث في صحيحيهما، ولذلك نقرأ أحيانًا عن حديث أنه صحيح على شرط مسلم، أي أنه تنطبق عليه نفس شروطه في قبول الأحاديث حتى ولو كان الحديث ليس في الصحيحين أي لم يخرجاه، لأنهما في صحيحيهما لم يكن هدفهما جمع (كل) الأحاديث وإنما جمع فقط أحاديث (منتقاة) في كل باب دون الحصر.