الصفحة 55 من 139

حشرة أو حيوانًا يسير أسفل سقف الغرفة (أي مقلوبًا) السؤال: هل يقول أحد أنه ليس (تحت) السقف لأنه مقلوبًا؟

ومن هنا نفهم كيف هرب عدد من علماء الكلام مما لم يفهمونه فسقطوا في جنس (المستحيلات العقلية) التي تحدثنا عنها منذ قليل ويرفضها كل عقل سوي بفطرته، وأنه رغم ذكاء بعضهم إلا أن غشاوة الفلسفة على أعينهم منعتهم من رؤية ذلك والله المستعان، ومن هذا مثلًا قولهم عندما أرادوا تنزيه الله عن المكان وجهة العلو أنه: لا داخل العالم (أي كل ما سوى الله) ولا خارجه!! والسؤال: أين سيكون إذن لأن العقل يحتم إما داخل أو خارج!!

فانظروا كيف قاموا بتعقيد الدين في وجه الناس!!

وإليكم قول الإمام الغزالي رحمه الله وهو يعترف بتلك الضلالة ويعترف أن عقول ناس لا تفهمها، إذ يقول في كتابه (إحياء علوم الدين) 4/ 434 قبل أن يتوب من ذلك كما قلنا:

"إن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الأقطار والجهات، وإنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته"!!

ولذلك يقول العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه (قواعد الأحكام) ص 201:

"إن من جملة العقائد التي لا تستطيع العامة فهمها هو أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا منفصل عن العالم ولا متصل به"!!

ويجمع ذلك ابن عقيل رحمه الله في كتابه (الفنون) وقد تاب أيضًا في آخر حياته فيقول:

"الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي (أي الآيات) ، لأنهم يأنسون بالإثبات، فمتى محونا ذلك من قلوبهم، زالت الحشمة، فتهافتهم في التشبيه أحب إلينا من إغراقهم في التنزيه، لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات، فيخافون ويرجون، والتنزيه يرمي بهم إلى النفي، فلا طمع ولا مخافة في النفي، ومن تدبر الشريعة، رآها غامسة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ الظاهرة التي لا يعطي ظاهرها سواه، كقول الأعرابي: أو يضحك ربنا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، فلم يكفهر لقوله، تركه وما وقع له، قلت: قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل، فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد متكلم، حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك."

والظاهر الآخر وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل (أي مكافئ) له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مِثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي، والله أعلم"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت