فهرس الكتاب
واقع لنا جميعًا (يقصدون أنهم والله وجود واحد لا فرق) !! وبذلك، وكما يرى كل عاقل يذهب الفارق بين الخير والشر، والقبح والجمال، والسيء والحسن، والإيمان والكفر، والجريمة والعطاء!! هذا تدمير لبنية الإنسان في الحياة، ولذلك لا نجد يتبع مثل هذه الأفكار دومًا إلا أفراد قليلون، وحتى أتباع بعض هذه المعتقدات لا يظهرون لهم هذا الوجه المرعب منها، بل يخدعونهم ببعض الكلام المعسول عن وحدة الخالق مع المخلوق وأن الكل واحد ويجب علينا تقبل كل شيء، والسلام، والوئام، ولا للتفرقة، ولا للعنصرية، ولا للأديان!! إلخ إلخ بل وقد يلجأون لغموض الأشعار والكلام غير المفهوم من أول وهلة ليداروا به على معانيهم الباطلة!! ومن ذلك ما فعله ابن عربي [1] عندما واجهه الناس والشيوخ بكفرياته التي قالها عن وحدة الوجود، فزعم أنها أشعار غزل في إحدى الفتيات ولكن بأسلوبه الخاص!! وهكذا نجد أشعارًا لهم في الغزل والخمر ونحو ذلك، بل وحتى اخترع كل منهم طرق اندماج مزعومة في الكون من رقص (مثل رقص بعض الفرق الصوفية) ومثل بعض الأفكار الروحانية وممارساتها الجسدية كاليوجا مثلًا والطاقة إلخ بغية استشعار وحدة الوجود واندماج الجزء في الكل كما قلنا.
ثالثًا:
دفع البعض إلى التفكير في وحدة الوجود أيضًا محبتهم الحقيقية لله، إذ سول لهم شياطين الإنس والجن أن ذلك علامة على حنين الجزء إلى الكل، وأننا من الله بالمعنى الحرفي، وتتجلى مثل هذه الأفكار في بعض العقائد المحرفة القديمة مثل الهندوسية والبوذية وغيرها وما تفرع عنها إلى اليونان وفارس، ثم اعتنقها عدد من المفكرين النصارى واليهود، وكذلك عدد من الصوفية في الإسلام للأسف، ولأن لها جوانب غاية في التناقض مع محبة الإله وتعظيمه: فإنهم يخفونها كذلك عن أتباعهم!! فكلامهم مثلًا يعني بالضرورة ومن لوازمه أن الشر هو الله وهو الوجود أيضًا!! وأنه لا معنى لعذاب النار (هل سيعذب الوجود نفسه؟!) وأن القاذورات هي الله وهي الوجود أيضًا!! فهو النجاسة وهو الخنزير وهو الكلب وهو الحمار وهو الغش وهو الكذب!! إلخ إلخ، مثال:
قال أحد أصحاب هذه العقيدة الباطلة لأحد طلابه ومريديه: إن مَن يقول لك أن الوجود خالق ومخلوق فقد كذب عليك، فسأله الطالب والمريد بكل تلقائية: ومَن الذي يكذب هنا؟! فأحرجه!! لأنه إذا كان ثمة كاذب كما يقول فهو الوجود نفسه على اعتبار أن الكل واحد!! إلى آخر هذه التناقضات الكثيرة جدًا والتي نجدها خصوصًا عند من أرادوا مزجها بالدين والإسلام، حيث لما لم يجدوا في القرآن والسنة ما يدعم أباطيلهم وخرافاتهم: زعموا أن هناك (ظاهر) للدين يتناسب مع عامة الناس والبسطاء، وأن هناك (باطن) للدين لا يفهمه إلا الخاصة (الذين هم عندهم القائلين بوحدة الوجود) !! والسؤال المحرج لهؤلاء: وما أدرانا أن ما تقولونه وتفهمونه أنتم هو (الباطن) وليس شيئًا آخر؟! وبالفعل نجد من أمثال هؤلاء ضلالات وشطحات عجيبة في
(1) الصوفي ابن عربي غير فقيه الأندلس الشهير ابن العربي، فالأول بدون الـ التعريفية.