فهرس الكتاب
بالقدوم عليه والمصير إليه، فوجَّهَ العبدُ وجهُه بكليته إليه، وأقبل بقلبه ورورحه وهَمِّه عليه. فاستسلم وحده ظاهرًا وباطنًا، واستوى سرُّه وعلانيته فقال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه. وقد تخلص قلبُه من التعلق بغيره والالتفات إلى ما سواه. قد خرجت الدنيا كلها من قبله، وشارف القدوم على ربه، وخمدت نيرانُ شهوته، وامتلأ قلبه من الآخرة، فصارت نصب عينيه، وصارت الدنيا وراء ظهره، فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله، فطهرّتْه من ذنوبه، وأدخلته على ربِّه، لأنه لقي ربَّه بشهادة صادقة خالصة، وافق ظاهرها باطنها وسرُّها علانيتها، فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها، وفرَّ إلى الله من الناس، وأنِسَ به دون ما سواه، لكنه شهد بها بقلبٍ مشحونٍ بالشهواتِ وحُبِّ الحياة وأسبابها، ونفسٍ مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله. فلو تجردتْ كتجرُّدها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي. والله المستعان.
ماذا يملك من أمره وناصيتُه بيد الله ونفسه بيده، وقلبُه بين إصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، وحياته بيده وموته بيده، وسعادته بيده، وشقاوته بيده،