الْإِيمَانِ، لَأَوْجَزَ وَجَمَعَ كَلَّ الْمَعْنَى وَتَخَلَّصَ مِنْ ضَعْفِ التَّأْلِيفِ وَالْحَشْوِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الرَّدِيءِ كَمَا بَيْنَ الرَّحِيمِ وَنَسْتَعِينُ"أهـ."
أَقُولُ لَقَدْ كَانَ خَيْرًا لِهَذَا الْمُتَعَصِّبِ الْمَأْجُورِ لِإِضْلَالِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شَرْطِ أَلَّا يَذْكُرَ اسْمَهُ فِي كُتَيِّبِهِ، وَلَا يَفْضَحَ نَفْسَهُ بَيْنَ قَوْمِهِ، أَنْ يَخْتَصِرَ لِمُسْتَأْجِرِيهِ آلِهَتَهُمْ وَكُتُبَهُمُ الَّتِي صَدَّتْ جَمِيعَ مُسْتَقِلِّي الْفِكْرِ مِنْ أَقْوَامِهِمْ وَشُعُوبِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ بَلْ صَدَّتْ بَعْضَهُمْ عَنْ كُلِّ دِينٍ، فَإِنَّ اخْتِصَارَ الدَّرَارِيِّ السَّبْعِ فِي السَّمَاءِ، أَهْوَنُ مِنَ اخْتِصَارِ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ السَّبْعِ فِي الْأَرْضِ. وَحَسْبُ الْعَالَمِ مِنْ فَضِيحَتِهِ إِيرَادُ سَخَافَتِهِ هَذِهِ وَتَشْهِيرُهُ بِهَا لَوْ كَانَ حَيًّا يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ.
وَأَمَّا الْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ، الَّذِي قَدْ يَغْتَرُّ بِقَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي الطَّعْنِ بِغَيْرِ دِينِهِ، فَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ لِبَعْضِ فَضَائِحِ هَذَا الِاخْتِصَارِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَبْصَارِ وَنَكْتَفِي مِنْهُ بِمَا يَلِي:
(1) إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ اخْتَصَرَهُ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُتَعَصِّبُ وَجَعَلَ ذِكْرَهُ مَطْعَنًا فِي فَاتِحَةِ الْقُرْآنِ اسْمُ الْجَلَالَةِ الْأَعْظَمِ (اللهُ) الَّذِي لَا يُغْنِي عَنْهُ سَرْدُ جَمِيعِ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى! فَإِنَّهُ هُوَ اسْمُ الذَّاتِ الْمُلَاحَظُ مَعَهُ اتِّصَافُ تِلْكَ الذَّاتِ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ إِجْمَالًا.
(2) أَنَّهُ اخْتَصَرَ اسْمَ الرَّحِيمِ وَقَدْ بَيَّنَّا فَائِدَتَهُ وَأَنَّ اسْمَ الرَّحْمَنِ لَا يُغْنِي عَنْهُ، وَأَنَّى لِمِثْلِهِ أَنْ يَعْلَمَهُ؟ وَيُرَاجَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
(3) أَنَّهُ اسْتَبْدَلَ الْأَكْوَانَ بِالْعَالَمِينَ وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِصَارٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ اسْتِبْدَالُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأَوْلَى، فَإِنَّ الْأَكْوَانَ جَمْعُ كَوْنٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ لَا يُجْمَعُ، وَلَهُ مَعَانٍ لَا يَصِحُّ إِضَافَةُ اسْمِ الرَّبِّ إِلَيْهَا، مِنْهَا الْحَدَثُ وَالصَّيْرُورَةُ وَالْكَفَالَةُ، وَيُطْلِقُهُ عَرَبُ الْجَزِيرَةِ عَلَى الْحَرْبِ لَعَلَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي غَيْرِهَا، وَأَمَّا الْعَالَمُونَ فَجَمْعُ عَالَمٍ، وَفِي اشْتِقَاقِهِ التَّذْكِيرُ بِكَوْنِهِ عَلَامَةً وَدَلِيلًا عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ، وَفِي جَمْعِهِ جَمْعَ الْعُقَلَاءِ تَذْكِيرٌ لِلْقَارِئِ بِمَا فِي كَلِمَةِ رَبٍّ مِنْ مَعْنَى تَرْبِيَتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ لِلْأَحْيَاءِ وَلَا سِيَّمَا النَّاسُ، وَكَوْنُهُمْ يَشْكُرُونَهُ عَلَيْهَا بِقَدْرِ اسْتِعْمَالِ عُقُولِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْأَعْلَامِ: إِنَّ لَفْظَ الْعَالَمِينَ عَامٌّ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي الْخَاصِّ، وَهُوَ عَالَمُ الْبَشَرِ، وَرَاجِعْ سَائِرَ تَفْسِيرِهِ الْمُتَقَدِّمِ.
(4) أَنَّهُ اسْتَبْدَلَ كَلِمَةَ (الدَّيَّانِ) بِكَلِمَةِ (يَوْمِ الدِّينِ) وَهِيَ لَا تَقُومُ مَقَامَهَا، وَلَا تُفِيدُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبَةِ لِذَاتِهَا، فَإِنَّ لِلدَّيَّانِ فِي اللُّغَةِ مَعَانِيَ مِنْهَا الْقَاضِي وَالْحَاسِبُ أَوِ الْمُحَاسِبُ وَالْقَاهِرُ. وَغَايَةُ مَا يُفِيدُهُ وَصْفُ الرَّبِّ بِأَنَّهُ حَاكِمٌ يَدِينُ عِبَادَهُ وَيَجْزِيهِمْ. وَأَمَّا يَوْمُ الدِّينِ: فَإِنَّهُ اسْمٌ لِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ مَوْصُوفٍ فِي كِتَابِ اللهِ بِأَوْصَافٍ عَظِيمَةٍ هَائِلَةٍ،