طَلَبْتَ مِنْهُ خَيْرَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَإِنْ طَالَعْتَ نُورَ الرَّحِيمِ طَلَبْتَ مِنْهُ أَنْ يَعْصِمَكَ عَنْ مَضَارِّ الْآخِرَةِ، وَإِنْ طَالَعْتَ نُورَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ طَلَبْتَ مِنْهُ أَنْ يَصُونَكَ عَنْ آفَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَقَبَائِحِ الْأَعْمَالِ فِيهَا لِئَلَّا تَقَعَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ. النُّكْتَةُ السَّابِعَةُ: يُمْكِنُ أَيْضًا تَنْزِيلُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ عَلَى الْمَرَاتِبِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الذِّكْرِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- أَمَّا قَوْلُنَا سُبْحَانَ اللَّهِ فَهُوَ فَاتِحَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الْإِسْرَاءِ: 1] وَأَمَّا قَوْلُنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ فَاتِحَةُ خَمْسِ سُوَرٍ، وَأَمَّا قَوْلُنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ فَاتِحَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: الم، اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آلِ عِمْرَانَ: 1، 2] وَأَمَّا قَوْلُنَا اللَّهُ أَكْبَرُ فَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ لَا بِالتَّصْرِيحِ فِي مَوْضِعَيْنِ مُضَافًا إِلَى الذِّكْرِ تَارَةً وَإِلَى الرِّضْوَانِ/ أُخْرَى فقال: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] وقال: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: 45] وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا، لِأَنَّهُ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، وَالْكَنْزُ يَكُونُ مَخْفِيًّا وَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا، فَالْأَسْمَاءُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مَبَادٍ لِهَذِهِ الْأَذْكَارِ الْخَمْسَةِ، فَقَوْلُنَا: اللَّهِ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَقَوْلُنَا: رَبِّ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَقَوْلُنَا الرَّحْمَنِ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ قَوْلَنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ الْقُدْرَةِ وَكَمَالُ الرحمة، وذلك هو الرحمن، وقولنا: الرحمن مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا اللَّهُ أَكْبَرُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ لَا يَرْحَمَ عِبَادَهُ الضُّعَفَاءَ، وَقَوْلُنَا: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لِأَنَّ الْمَلِكَ وَالْمَالِكَ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَبِيدُهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا عَلَى خِلَافِ إِرَادَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [1]
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 39)
(1) - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (1/ 240)