ونعم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه. وأعلنت أنه لا إله إلا الله. وقولك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه. . وأعلنت انك ستستعين بالله وحده بقولك: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . فانك قد أصبحت من عباد الله. ويعلمك الله سبحانه وتعالى الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن. . ومادامت من عباد الله، فإن الله جل جلاله سيستجيب لك. . مصداقا لقوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا. . لماذا؟. . لأن الحياة الحقيقية للانسان في الآخرة. فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ولا تفارقه. فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيرًا ولا أن يمتلك عمارة مثلا. . لأنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل. . ولكنه يطلب ما ينجيه من النار ويوصله الى الجنة. . [1]
ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنه علمنا ما نطلب. . وهذا يستوجب الحمد لله. . وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم: {اهدنا الصراط المستقيم} .
والهداية نوعان: هداية دلالة وهداية معونة. هداية الدلالة هي للناس جميعا. . وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله. والله سبحانه وتعالى هدى كل عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه لهم. . فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه. . ومن أراد ألا يتبعه تركه الله لما أراد. . هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بين لنا الله تبارك وتعالى في منهجه بافعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه. . وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي. والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله وسخطه. . ولكن هل كل من بين له الله سبحانه وتعالى طريق الهداية اهتدى؟. . نقول لا. . واقرأ قوله جل جلاله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] اذن هناك من لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه الله له. . فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين. . ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه جل جلاله خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة. . ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله الشرعي في كونه؟
(1) - تفسير الشعراوي (1/ 77)