ان هذه قضية من قضايا الايمان. . فما يقوله الله سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة للانسان المؤمن. . فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة. . وقول الله: {أَلَمْ تَرَ} . . معناها ان الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية. . فما دام الله تبارك وتعالى قال: {أَلَمْ تَرَ} . . فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه. . هذه هي الرؤية الايمانية، وهي أصدق من رؤية العين. . لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا. .
على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب. . اذا قلت زيد حضر. . فهو موجود أمامك. . ولكن إذا قلت قابلت زيدا. . فكأن زيدًا غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة. . قابلته ولكنه ليس موجودًا معك ساعة الحديث. .
اذن فهناك حاضر وغائب ومتكلم. . الغائب هو من ليس موجودًا أو لا نراه وقت الحديث. . والحاضر هو الموجود وقت الحديث. . والمتكلم هو الذي يتحدث. وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة، ولكن الايمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الايمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية البصر.
فالله سبحانه وتعالى حين يقول {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} . . {للَّهِ} غيب و {رَبِّ العالمين} غيب. . و {الرحمن الرحيم} . . «غيب» . . و {مالك يَوْمِ الدين} غيب. . وكان السياق اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد. ولكن الله سبحانه وتعالى غير السياق ونقله من الغائب الي الحاضر. . وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فانتقل الغيب الي حضور المخاطب. . فلم يقل إياه نعبد. . ولكنه قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} . . فأصبحت رؤية يقين ايماني.
فأنت في حضرة الله سبحانه وتعالى الذي غمرك بالنعم، وهذه تراها وتحيط بك لأنه {رَبِّ العالمين} . . وجعلك تطمئن الى قضائه لأنه {الرحمن الرحيم} أي أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية {الرحمن الرحيم} فإذا لم تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التي تحسها وتعيش فيها.
فاحذر من مخالفة منهجه لأنه «مالك يوم الدين» .
حين يستحضر الحق سبحانه وتعالى ذاته بكل هذه الصفات. . التي فيها فضائل الألوهية، ونعم الربوبية. . والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة تكون قد انتقلت من صفات الغيب الى محضر الشهود. . استحضرت جلال الألوهية لله وفيوضات رحمته. . ونعمه التي لا تحد وقيوميته يوم القيامة. .