فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 227

مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: 60] وَالْجَاهِلُ بِالْحَقِّ أَحَقُّ بِاسْمِ الضَّلَالِ، وَمِنْ هُنَا وُصِفَتِ النَّصَارَى بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]

فَالْأُولَى فِي سِيَاقِ الْخِطَابِ مَعَ الْيَهُودِ، وَالثَّانِيَةُ فِي سِيَاقِهِ مَعَ النَّصَارَى، وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ حَبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ» .

فَفِي ذِكْرِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَاتَّبَعَهُ وَالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مَنْ عَرَفَهُ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَالضَّالِّينَ وَهُمْ مَنْ جَهِلَهُ مَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، لِأَنَّ انْقِسَامَ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ هُوَ الْوَاقِعُ الْمَشْهُودُ، وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إِنَّمَا أَوْجَبَهَا ثُبُوتُ الرِّسَالَةِ.

وَأَضَافَ النِّعْمَةَ إِلَيْهِ، وَحَذَفَ فَاعِلَ الْغَضَبِ لِوُجُوهٍ:

مِنْهَا: أَنَّ النِّعْمَةَ هِيَ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ، وَالْغَضَبَ مِنْ بَابِ الِانْتِقَامِ وَالْعَدْلِ، وَالرَّحْمَةَ تَغْلِبُ الْغَضَبَ، فَأَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ أَكْمَلَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَسْبَقَهُمَا وَأَقْوَاهُمَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي إِسْنَادِ الْخَيْرَاتِ وَالنِّعَمِ إِلَيْهِ، وَحَذْفِ الْفَاعِلِ فِي مُقَابَلَتِهِمَا، كَقَوْلِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَضِرِ فِي شَأْنِ الْجِدَارِ وَالْيَتِيمَيْنِ {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} [الكهف: 82] وَقَالَ فِي خَرْقِ السَّفِينَةِ {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] وَقَوْلَهُ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3] وَقَوْلَهُ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] ثُمَّ قَالَ {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] .

وَفِي تَخْصِيصِهِ لِأَهْلِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بِالنِّعْمَةِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّعْمَةَ الْمُطْلَقَةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْفَلَاحِ الدَّائِمِ، وَأَمَّا مُطْلَقُ النِّعْمَةِ فَعَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَكُلُّ الْخَلْقِ فِي نِعْمَةٍ، وَهَذَا فَصْلُ النِّزَاعِ فِي مَسْأَلَةِ: هَلْ لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ مِنْ نِعْمَةٍ أَمْ لَا؟.

فَالنِّعْمَةُ الْمُطْلَقَةُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمُطْلَقُ النِّعْمَةِ تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .

وَالنِّعْمَةُ مِنْ جِنْسِ الْإِحْسَانِ، بَلْ هِيَ الْإِحْسَانُ، وَالرَّبُّ تَعَالَى إِحْسَانُهُ عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ.

وَأَمَّا الْإِحْسَانُ الْمُطْلَقُ فَلِلَّذِينِ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت