وقيل: إنهما بمعنى واحد، والثاني لتأكيد الأول وهو رأي الصبّان والجلال، وهو ضعيف فقد قال ابن جرير الطبري: لا توجد في القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود.
والراجح: ما ذهب إليه ابن القيم وهو أن الوصف الأول دال على الرحمة الثابتة له سبحانه، والثاني يدل على تجدّد الأفعال المتعلقة بهذه الصفة والله أعلم.
اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب على سبيل التفنن في الكلام، لأنه أدخلُ في استمالة النفوس، واستجلاب القلوب، وهذا (الالتفات) ضرب من ضروب البلاغة، ولو جرى الكلام على الأصل لقال (إيّاه نعبد) فعدل عن ضمير الغائب إلى المخاطب لنكتة (الإلتفات) ومثله قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] ثم قال: {إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً} [الإنسان: 22] وقد يكون الإلتفات من (الخطاب) إلى (الغيبة) كما في قوله تعالى: {هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22] فقد كان الكلام مع المخاطبين، ثم جاء بضمير الغيبة على طريق الإلتفات.
قال أبو حيان في «البحر» : «ونظير هذا أن تذكر شخصًا متصفًا بأوصاف جليلة، مخبرًا عنه إخبار الغائب، ويكونذلك الشخص حاضرًا معك، فتقول له: إيّاك أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطف على بلوغ المقصود، ما لا يكون في لفظ (إيّاه) » .
اللطيفة التاسعة: وردت الصيغة بلفظ الجمع في الجملتين {نَعْبُدُ} و {نَسْتَعِينُ} ولم يقل: (إياّاك أعبد وإيّاك أستعين) وذلك لنكتةٍ لطيفة، هي اعتراف العبد بقصوره عن الوقوف في باب ملك الملوك جلّ وعلا، وطلبه الاستعانة والهداية مفردًا دون سائر العرب، فكأنه يقول: يا رب أنا عبد حقير، ذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنا أنضم إلى سلك الموحّدين، وأدعوك معهم، فتقبّل دعائي معهم، فنحن جميعًا نعبدك ونستعين بك.
وتقديم المفعول على الفعل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يفيد القصر والتخصيص كما في قوله: {وإياي فارهبون} [البقرة: 40] كما يفيد التعظيم والاهتمام به.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرك.
قال القرطبي: إن قيل: لم قدَّم المفعول {إِيَّاكَ} على الفعل {نَعْبُدُ} ؟ قيل له: اهتمامًا، وشأنُ العرب تقديم الأهم، يُذكر أنْ أعرابيًا سبّ آخر فأعرض المسبوب عنه، فقال له السابّ: إيّاك عني، فقال له الآخر: وعنك أُعرض، فقدّما الأهم،