فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 227

الشَّدِيدِ، فَلَوْلَا هِدَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعَانَتُهُ وَأَنَّهُ يُزَيِّنُ الْحَقَّ فِي عَيْنِ عَقْلِ الطَّالِبِ وَيُقَبِّحُ الْبَاطِلَ فِي عَيْنِهِ كَمَا قَالَ: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ [الْحُجُرَاتِ: 7] وَإِلَّا لَامْتَنَعَ وُصُولُ أَحَدٍ إِلَى الْحَقِّ، فَقَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُبْطِلَ لَا يَرْضَى بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ الِاعْتِقَادَ الْحَقَّ وَالدِّينَ الْمَتِينَ وَالْقَوْلَ الصَّحِيحَ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِاخْتِيَارِهِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ أَحَدٌ فِي الْخَطَأِ، وَلَمَّا رَأَيْنَا الْأَكْثَرِينَ غَرِقُوا فِي بَحْرِ الضَّلَالَاتِ/ عَلِمْنَا أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْحَقِّ لَيْسَ إِلَّا بِهِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَطْبَقُوا عَلَى ذَلِكَ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَقَالُوا: سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَةِ: 32] وَقَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 23] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الْأَنْعَامِ: 77] وَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يُوسُفَ: 101] وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه: 25] - الآية وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آلِ عِمْرَانَ: 8] فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي لَطَائِفِ هَذَا الْخَبَرِ وَالَّذِي تَرَكْنَاهُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ سَبْعٌ، وَالْأَعْمَالَ الْمَحْسُوسَةَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ سَبْعَةٌ، وَهِيَ: الْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ، وَالِانْتِصَابُ، وَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ، وَالِانْتِصَابُ فِيهِ، وَالسُّجُودُ الثَّانِي وَالْقَعْدَةُ، فَصَارَ عَدَدُ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ مُسَاوِيًا لِعَدَدِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ كَالشَّخْصِ، وَالْفَاتِحَةُ لَهَا كَالرُّوحِ، وَالْكَمَالُ إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ اتِّصَالِ الرُّوحِ بِالْجَسَدِ، فَقَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِإِزَاءِ الْقِيَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَاءَ فِي بِسْمِ اللَّهِ لَمَّا اتَّصَلَ بِاسْمِ اللَّهِ بَقِيَ قَائِمًا مُرْتَفِعًا، وَأَيْضًا فَالتَّسْمِيَةُ لِبِدَايَةِ الْأُمُورِ،

قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»

وَقَالَ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الْأَعْلَى: 14، 15] وَأَيْضًا الْقِيَامُ لِبِدَايَةِ الْأَعْمَالِ، فَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَبَيْنَ الْقِيَامِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ بِإِزَاءِ الرُّكُوعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي مَقَامِ التَّحْمِيدِ نَاظِرٌ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى الْخَلْقِ، لأن التحميد عبارة عن الثناء عليه بِسَبَبِ الْإِنْعَامِ الصَّادِرِ مِنْهُ، وَالْعَبْدُ فِي هَذَا الْمَقَامِ نَاظِرٌ إِلَى الْمُنْعِمِ وَإِلَى النِّعْمَةِ، فَهُوَ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْإِعْرَاضِ وَبَيْنَ الِاسْتِغْرَاقِ، وَالرُّكُوعُ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْقِيَامِ وَبَيْنَ السُّجُودِ وَأَيْضًا، الْحَمْدُ يَدُلُّ عَلَى النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ، وَالنِّعَمُ الْكَثِيرَةُ مِمَّا تُثْقِلُ ظَهْرَهُ، فَيَنْحَنِي ظَهْرُهُ لِلرُّكُوعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت