كان ذلك كناية عن طريق الحق، فكيف إذا كان حقًا موصلًا إلى الفوز بنعم الله سبحانه.
التاسع والعشرون: قوله (غير المغضوب عليهم) ووجه ذلك أن الوصول إلى النعم قد يكون منغصًا مكدرًا بشيء من غضب المنعم سبحانه، فإذا صفا ذلك عن هذا الكدر وانضم إلى الظفر بالنعم الظفر بما هو أحسن منها موقعًا عند العارفين، وأعظم قدرًا في صدور المتقين، وهو رضا رب العالمين، كان في ذلك من البهجة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ولا الوقوف على حقيقته ولا تصور معناه. وإذا كان المولى لهذه النعمة والمتفضل بها هو الله تعالى ولا يقدر على ذلك غيره ولا يتمكن منه سواه، فهو المستحق لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة.
الموفى ثلاثين: قوله (ولا الضآلين) ووجهه أن الوصول إلى النعم مع الرضا قد يكون مشوبًا بشيء من الغواية، مكدرًا بنوع من أنواع المخالفة وعدم الهداية، وهذا باعتبار أصل الوصول إلى نعمة من النعم مع رضا المنعم بها فإنه لا يستلزم سلب كون المنعم عليه على ضلالة لا باعتبار هذه النعمة الخاصة من هذا المنعم عز وجل.
ولما كان الأمر في الأصل هكذا كان في وصول النعم إلى المنعم عليه من المنعم بها مع كونه راضيًا عليه غير غاضب عنه، إذا كان ذلك الوصول مصحوبًا بكون صاحبه على ضلالة في نفسه قصور عن وصولها إلى من كان جامعًا بين كونه واصلًا إلى المنعم فائزًا برضا المنعم عليه خالصًا من كدر كونه في نفسه على ضلالة، وتقرير الدلالة من هذا الوجه على إخلاص التوحيد كتقريرها في الوجه الذي قبله.
فهذه ثلاثون دليلًا مستفادة من سورة الفاتحة باعتبار ما يستفاد من تراكيبها العربية مع ملاحظة ما يفيده ما اشتملت عليه من تلك الدقائق والأسرار التي هي راجعة إلى العلوم الآلية، وداخلة فيما تقتضيه تلك الألفاظ بحسب المادة والهيئة والصورة مع قطع النظر عن التفسير بمعنى خاص قاله بعض السلف، أو وقف عنده من بعدهم من الخلف.
فإن قلت (1) هذه الأدلة التي استخرجتها من هذه السورة المباركة وبلغت بها إلى هذا العدد وجعلتها ثلاثين دليلًا على مدلول واحد، لم نجد لك فيها سلفًا ولا سبقك بها غيرك.
قلت: هذي شكاة ظاهر عنك عارها، واعتراض غير واقع موقعه، ولا مصادف محزه، فإن القرآن عربي، وهذا الاستخراج لما ذكرناه من الأدلة هو على مقتضى اللغة العربية، وبحسب ما تقتضيه علومها التي دونها الثقات، ورواها العدول