فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 227

نَفْسِي. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي أَنْشَأْتُ بِهَا الْعَمَلَ هِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلَوْلَا مَا مَنَحَنِي مِنْهَا لَمْ أَعْمَلْ شَيْئًا، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنِّي هَذَا الْعَمَلُ إِلَّا بِاسْمِ اللهِ وَلَمْ يَكُنْ بِاسْمِي، إِذْ لَوْلَا مَا آتَانِي مِنَ الْقُوَّةِ عَلَيْهِ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَهُ.

وَقَدْ تَمَّ هَذَا الْمَعْنَى بِلَفْظِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّنِي أَعْمَلُ عَمَلِي مُتَبَرِّئًا مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاسْمِي، بَلْ هُوَ بِاسْمِهِ تَعَالَى، لِأَنَّنِي اسْتَمَدُّ الْقُوَّةَ وَالْعِنَايَةَ مِنْهُ وَأَرْجُو إِحْسَانَهُ عَلَيْهِ، فَلَوْلَاهُ لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَعْمَلْهُ، بَلْ وَمَا كُنْتُ عَامِلًا لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَوْلَا أَمْرُهُ وَرَجَاءُ فَضْلِهِ، فَلَفْظُ الِاسْمِ مَعْنَاهُ مُرَادٌ، وَمَعْنَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ مُرَادٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ كُلٌّ مِنْ لَفْظِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَعْرُوفٌ مَأْلُوفٌ فِي كُلِّ اللُّغَاتِ. وَأَقْرَبَهُ إِلَيْكُمُ الْيَوْمَ مَا تَرَوْنَهُ فِي الْمَحَاكِمِ النِّظَامِيَّةِ حَيْثُ يَبْتَدِئُونَ الْأَحْكَامَ قَوْلًا وَكِتَابَةً بِاسْمِ السُّلْطَانِ فُلَانٍ أَوِ الْخِدَيْوِي فُلَانٍ.

وَمَعْنَى الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُقَرَّرُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآيَاتِ وَغَيْرِهَا هُوَ لِلَّهِ وَمِنْهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللهِ فِيهِ شَيْءٌ اهـ.

أَقُولُ: هَذَا صَفْوَةُ مَا قَرَّرَهُ فِي مُتَعَلِّقِ" (بِسْمِ اللهِ"وَمَعْنَاهَا، وَهَاهُنَا نَظَرٌ آخَرُ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ وَحْيًا يُلْقِيهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ فِي قَلْبِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَكُلُّ سُورَةٍ مِنْهُ مُبْتَدَأَةٌ بِبَسْمَلَةٍ، فَمُتَعَلِّقُ الْبَسْمَلَةِ مِنْ مَلَكِ الْوَحْيِ تَعَلَّمَ مَنْ أَوَّلِ آيَةٍ نَزَلَ بِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ"فَمَعْنَى الْبَسْمَلَةِ الَّذِي كَانَ يَفْهَمُهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ رُوحِ الْوَحْيِ: اقْرَأْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ السُّورَةَ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلَى عِبَادِهِ، أَيِ اقْرَأْهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْهُ تَعَالَى لَا مِنْكَ، فَإِنَّهُ بِرَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْزَلَهَا عَلَيْكَ لِتَهْدِيَهُمْ بِهَا إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَعَلَى هَذَا كَانَ يَقْصِدُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مُتَعَلِّقِ الْبَسْمَلَةِ أَنَّنِي أَقْرَأُ السُّورَةَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِاسْمِ اللهِ لَا بَاسِمِي، وَعَلَى أَنَّهَا مِنْهُ لَا مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا مُبَلِّغٌ عَنْهُ - عَزَّ وَجَلَّ -(وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (39: 12) . (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) (2: 92) إِلَخْ.

اخْتَصَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الْكَلَامِ عَلَى لَفْظَ اسْمٍ وَلَفْظِ الْجَلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا مَشْهُورٌ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَهَاكَ جُمْلَةً صَالِحَةً فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ الْعَظِيمِ:

لَفْظُ الْجَلَالَةِ (اللهُ) عَلَمٌ عَلَى ذَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وُضِعَ مُعَرَّفًا، وَقِيلَ: أَصْلُهُ"إِلَهٌ"فَحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْإِلَهُ، وَالْإِلَهُ فِي اللُّغَةِ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَعْبُودٍ، وَلِذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلَى آلِهَةٍ، وَمَا كُلُّ مَعْبُودٍ سَمَّوْهُ إِلَهًا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ (اللهِ) فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ الْكَرِيمَ كَانَ خَاصًّا فِي لُغَتِهِمْ بِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكُلِّ شَيْءٍ. فَالتَّعْرِيفُ فِيهِ خَصَّصَهُ بِالْوَاحِدِ الْفَرْدِ الْكَامِلِ، كَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت