فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 227

(إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (7: 56) وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ كُلٌّ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتِ اللهِ تَعَالَى وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا مَعًا بِالْمُطَابَقَةِ، وَعَلَى الذَّاتِ وَحْدَهَا أَوِ الصِّفَةِ بِالتَّضَمُّنِ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا لَوَازِمُ يُدَلُّ عَلَيْهَا بِالِالْتِزَامِ، كَدَلَالَةِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ، وَدَلَالَةِ الْحَكِيمِ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالنِّظَامِ، وَدَلَالَةِ الرَّبِّ عَلَى الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ الْكَامِلَ لَا يَتْرُكُ مَرْبُوبِيهِ سُدًى، وَمَنْ عَرَفَ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا، عَرَفَ أَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ الْأَعْظَمَ (اللهَ) يَدُلُّ عَلَيْهَا كُلِّهَا وَعَلَى لَوَازِمِهَا الْكَمَالِيَّةِ وَعَلَى تَنَزُّهِهِ عَنْ أَضْدَادِهَا السَّلْبِيَّةِ، فَدَلَّ هَذَا الِاسْمُ الْأَعْلَى عَلَى اتِّصَافِ مُسَمَّاهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَتَنَزُّهِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، فَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، اهـ مَا أَحْبَبْتُ زِيَادَتَهُ الْآنَ.

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَهِيَ مَعْنَى يُلِمُّ بِالْقَلْبِ فَيَبْعَثُ صَاحِبَهُ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَشَرِ أَلَمٌ فِي النَّفْسِ شِفَاؤُهُ الْإِحْسَانُ وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْآلَامِ وَالِانْفِعَالَاتِ، فَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ أَثَرُهَا وَهُوَ الْإِحْسَانُ. وَقَدْ مَشَى الْجَلَالُ فِي تَفْسِيرِهِ وَتَبِعَهُ الصَّبَّانُ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ وَالرَّحِيمَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ الثَّانِيَ تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ. وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَالِمٍ مُسْلِمٍ وَمَا هِيَ إِلَّا غَفْلَةٌ نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَامِحَ صَاحِبَهَا.

(قَالَ) : وَأَنَا لَا أُجِيزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ فِي نَفْسِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةً تُغَايِرُ أُخْرَى، ثُمَّ تَأْتِي لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ غَيْرِهَا بِدُونِ أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي نَفْسِهَا مَعْنًى تَسْتَقِلُّ بِهِ. نَعَمْ قَدْ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْكَلِمَةِ مَا يَزِيدُ مَعْنَى الْأُخْرَى تَقْرِيرًا أَوْ إِيضَاحًا، وَلَكِنَّ الَّذِي لَا أُجِيزُهُ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلِمَةِ هُوَ عَيْنُ مَعْنَى الْأُخْرَى بِدُونِ زِيَادَةٍ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهَا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لَا غَيْرَ بِحَيْثُ تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ مَا يُسَمَّى بِالْمُتَرَادِفِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي كَلَامِ مَنْ يَرْمِي فِي لَفْظِهِ إِلَى مُجَرَّدِ التَّنْمِيقِ وَالتَّزْوِيقِ. وَفِي الْعَرَبِيَّةِ طُرُقٌ لِلتَّأْكِيدِ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَأَمَّا مَا يُسَمُّونَهُ بِالْحَرْفِ الزَّائِدِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّأْكِيدِ فَهُوَ حَرْفٌ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ هُوَ التَّأْكِيدُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ الَّتِي يُؤَكِّدُهَا، الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:"(وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا"تُؤَكِّدُ مَعْنَى اتِّصَالِ الْكِفَايَةِ بِجَانِبِ اللهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِذَاتِهَا وَمَعْنَاهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ. وَمَعْنَى وَصْفِهَا بِالزِّيَادَةِ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْإِعْرَابِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى"مِنْ"فِي قَوْلِهِ"(وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ"وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَمَّا التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ أَوِ التَّقْرِيعِ أَوِ التَّهْوِيلِ فَأَمْرٌ سَائِغٌ فِي أَبْلَغِ الْكَلَامِ عِنْدَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ الْقَصْدُ مِنْهُ كَتَكْرَارِ جُمْلَةِ"(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"وَنَحْوِهَا عَقِبَ ذِكْرِ كُلِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت