على وجه الوفاء والعدل وموافقة الحكمة، وكذلك أمر بتعلم الفنون الحربية والآداب العسكرية، والاستعدادات السياسية والصناعات النافعة، فقال تعالى في جانب مقاومة الأعداء ومهاجمتهم: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] وهذا شامل لكل ما تتعلق به الاستطاعة، من أنواع العلوم والفنون العسكرية الموجودة في وقت التنزيل، والتي تحدث إلى يوم القيامة، من قوة عقلية وسياسية داخلية وخارجية، وصناعات نافعة وتعلم رمي وركوب، وسائر الفنون التي لا تتم مقاومة الأعداء إلا بها، وقال في جانب المدافعة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] فأمر المؤمنين بأخذ حذرهم من عدوهم، وهو التَّوقِّي والوقاية والاحتماء من عدوان الأعداء، بكل وسيلة وسبب تحصل به الوقاية من شرهم ومكائدهم وأسلحتهم ومداخلهم ومخارجهم؛ وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمان.
وكل آية أو حديث فيه الأمر بالجهاد والحث عليه، فإنه يدخل فيه القيام بجميع الشؤون التي تعين على الجهاد، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، وهذا من البراهين، على أن هذا الدين والشريعة، تنزيل من حكيم حميد عليم بكل شيء، فإن إرشاداته العالية كما ترى تصلح لكل زمان ومحل؛ بل لا تصلح الأمور إلا بها.
وكما أنه أمر بالاستعداد بالقوة المادية، فقد أمر بالاستعداد بالقوة المعنوية، حيث أمر الناس وحثَّهم على الاجتماع والألفة بين المسلمين، والاتفاق على جميع مصالحهم الكلية؛ كما أمر بذلك في المصالح الجزئية، في كل ما يأتون وما يَذَرُون، في أحوالهم الداخلية وأحوالهم الخارجية، وأمرهم بالإيمان الكامل والتوكُّل القوي على الله، وتمرين النفوس على القوة والشجاعة، والتدرب في كل أمر نافع في الدين والدنيا؛ فالدين يحثُّهم على القيام بجميع الأسباب النافعة، التي
تصل إليها قواهم واستطاعتهم، وعلى التوكل على مُسِّبب الأسباب وخالقها ومدبِّرها،